info@example.com +(00) 123-345-11

الدولة الزنكية والدولة العربية الحديثة: قراءة في عوامل الانتصار والهزيمة

استمرت الحروب الصليبية ما يقرب من مائتي سنة، حتى تمكّن المسلمون أن يطردوا الصليبيّين بشكل كامل، لكننا نقف مشدوهين أمام معلم أساسي هو سرعة صعود الأمة الإسلامية في سلم الانتصار وفرض التراجع على القوى الصليبية، إذ حدث ذلك بعد أربعين سنة تقريبا.

حينما احتل عماد الدين الزنكي قلعة الرها التي كان احتلالها إيذانا بانتهاء الهبوط وبداية الصعود للأمة الإسلامية وعلى العكس ببداية الهبوط وانتهاء الصعود بالنسبة للقوى الصليبية.

ما السبب في ذلك؟ السبب هو الصفات التي اتصفت بها الدول التي جاءت استجابة للاحتلال الصليبي.

الدولة المواجهة للصليبيين

تشكلت عدة دول بعد الاحتلال الصليبي للقدس عام 1099م، منها:

  • الدولة الزنكية.
  • والدولة الأيوبية.
  • دول المماليك.

لكنها كانت تتصف جميعها بصفات مشتركة أهلتها للانتصار، وأبزر هذه الصفات هي:

1- النـزعة التوحيدية

لقد كانت هذه النزعة التوحيدية موجودة عند بعض القادة قبل أن يستطيعوا أن يشكلوا دولاً ومن هؤلاء قطب الدين مودود أتابك الموصل، سلف عماد الدين الزنكي، فقد اجتمعت جيوشه مع جيوش طغكتين أتابك دمشق مع جيوش أمير سنجار، والأمير إيازين إيلغازي سنة 507ﻫ/1113م، بالقرب من طبرية، وتم تدمير الجيش الصليبي تماما، ومما خفّف من قيمة الانتصار العسكري، اغتيال مودود أتابك الموصل في ربيع الثاني/أكتوبر 1113م، على يد أحد الباطنية، ثم موت رضوان أمير حلب مما خفف وطأه الهجوم على جبهة الشمال (1).

ثم برز عماد الدين الزنكي عام 521ﻫ/1127م، حاكما للموصل، ثم حكم حلب 522ﻫ، ثم استولى في العام التالي على حماه، ثم استولى على حمص 532ﻫ/1143م(2)، ثم انتزع “الرها” من أيدي الصليبين عام 1144م، بعد حصار دام ثمانية وعشرين يوما(3)، وكان سقوطها صدمة نفسية مؤلمة للصليبين(4) في كل مكان لأنها كانت أول أمارة صليبية تقوم على الأرض الإسلامية، ولأنها كانت مرتبطة بتاريخ المسيحية المبكر، وكان سقوط الرها من الناحية العسكرية كسبا كبيرا لأنه جعل وادي الفرات منطقه تخضع للسيطرة الإسلامية، وكان هذا الانتصار بداية النهاية للصليبين.

خلف نور الدين الشهيد والده عماد الدين الزنكي إثر اغتيال الأخير على يد الباطنية عام 1146م، وسار على نهج والده في توحيد البلاد الإسلامية وكانت دمشق هي البلد الوحيد الخارج عن نطاق التوحيد شمال الخلافة الإسلامية، وكان حاكمها معين الدين أنر يمثل عقبة في وجه جهود نور الدين محمود، وفي كل مرة كان يظهر فيها نور الدين محمود أمام أسوار مدينة دمشق كان الصليبيون يهبون لنجدتها، ثم عقد تحالفاً ضعيفا معها بعد موت حاكمها، إلا أنه استطاع أن يدخلها في النهاية برغبة أهلها الذين سئموا ظلم حاكمهم (5).

وهكذا استطاع نور الدين محمود أن يوحّد الجبهة الشرقية، ثم اتجهت أنظاره إلى مصر، وكانت تحكمها الخلافة الفاطمية، وتسابق في الوصول إليها مع الصليبين، واستغل المنازعات الداخلية، فأرسل أسد الدين شيركوه وبرفقته شاب في السابعة والعشرين من عمره هو ابن أخيه صلاح الدين يوسف الأيوبي، الذي خلف أسد الدين شيركوه في الوزارة بعد وفاته 564ﻫ/1169م، ثم استطاع صلاح الدين أن يلغي الخلافة الفاطمية ويلحق مصر بالخلافة العباسية، وذلك عام 567ﻫ/1171م (6).

وهكذا توحدت كل من بلاد الشام والعراق والجزيرة ومصر تحت راية واحدة، ثم حدثت معركة حطين في 4 يوليو 1187م (7)، التي كانت مقدمه لأخذ القدس من الصليبين في 2 اكتوبر 1187م، وسارعت بعد ذلك المدن والقلاع الصليبية إلى الاستسلام لصلاح الدين فلم يبق في أيدي الصليبين إلا بعض مدن محدودة هي صور، أنطاكية، طرابلس، وهكذا تأكدت نهاية الحروب الصليبية، كثمرة لعملية التوحيد التي قامت بها الدولتان: الزنكية والأيوبية.

2- الاستقلال السياسي والاقتصادي

لقد جاءت الدولة الزنكية استجابة لحاجة الأمة في مواجهة الهجوم الصليبي الكاسح، وقد بدأ الالتفاف حولها، وكانت قيادة هذه الدولة الزنكية مستقلة في قرارها، وكان أفقها الأمة ومصالحها، وكان المرجع الوحيد الذي ترجع إليه هو الخلافة العباسية على ضعفها، وكذلك  كان صلاح الدين الأيوبي، يعلم الخلافة ببعض تصرفاته حينا، ويستشيرها حينا آخر، وفي إحدى المرات عام570ﻫ، كتب إلى الخليفة العباسي في بغداد يعدّد فتوحاته وجهاده ضد الفرنج، وإعادته الخطبة للخلافة العباسية، وطلب من الخليفة تقليده مصر واليمن والمغرب والشام وكل ما يفتحه بسيفه فوافته بحماة رسل الخليفة المستضيء بأمر الله بالتشريف والأعلام السود وتوقيع بسلطنة مصر والشام وغيرها(8).

أما في المجال الاقتصادي فقد ذكرت كتب التاريخ أن الدولتين الزنكية والأيوبية كانتا دولتي حرب، وقد صيغ الاقتصاد ليكون في خدمة الدولة الحربية، فبعد أن كان  الإقطاع الإداري هو السائد في الدولة السلجوقية سلف الدولة الزنكية، أصبح الإقطاع العسكري هو النمط الاقتصادي المتبع لدى الدولتين الزنكية والأيوبية، وهو الأنسب لتجييش الجيوش، لمرحلة مواجهة الصليبين، فقد اعتمد عماد الدين الزنكي على قوته العسكرية الخاصة، وربط الإقطاع بالخدمة العسكرية وولائه الشخصي وبذلك  نجح في تحقيق انتصاره على الصليبين في الرها عام 1144م، وأصبحت الإقطاعات وراثية في عهد نور الدين محمود، وكانت هناك سجلات تبين عدد الرجال والعتاد الذين كان على كل أمير صاحب إقطاع أن يقدمهم لجيش نور الدين محمود(9)، واستمر صلاح الدين الأيوبي على نهج نور الدين محمود وأبقى الإقطاعات الوراثية وقد ارتكز الإقطاع على الأرض الزراعية.

وكان يمنح صلاح الدين رواتب نقدية وعينيّة لصغار الجنود والفرسان الذين لا يأخذون إقطاعات زراعية (10)، وكان من حق السلطان عزل أي أمير عن إقطاعه العسكري في حال التقصير في أداء الواجبات العسكرية في الجهاد ضد الصليبين، لذلك يتعين أن نعتبر هذه الصورة من التنظيم الإقطاعي تقوية للسلطة المركزية، وإحكاماً لسيطرة السلطان على الأمراء التابعين له تحت وطأه العزل والحرمان من الإقطاع (11).

3- ترسيخ القيم الدينية

ليس من شك بأنّ زيادة العلم بالدين يساهم في قوة الأمّة، ويساعدها في مواجهة الأحداث، لذلك قام قادة الدولتين الزنكية والأيّوبية بإنشاء المدارس الدينية التي تدرّس مختلف العلوم الدينية في بيت المقدس، والشام، والقاهرة، والاسكندرية، وقام العلماء والفقهاء الذين تخرّجوا من هذه المدارس بشحن روح الحماسة في نفوس المسلمين للدفاع عن بلادهم ودينهم ضد الصليبين، وقرّبت القيادات السياسية القيادات الدينية إليها، وضمّتها إلى حاشيتها، وصرفت لها الأموال، وقد برز إلى جانب صلاح الدين الأيوبي بعض العلماء كالقاضي الفاضل، وعماد الأصفهاني، والقاضي بهاء الدين بن شداد إلخ… وقد اتصف صلاح الدين الأيّوبي بشكل خاص بأنه كان محبّاً لعلوم الدين حريصاً على سماعها، لذلك كان يحضر دروس العلماء ويستمع إليهم في حلقاتهم العلمية.

الدولة العربية الحديثة

لقد تشكلت الدولة العربية الحديثة إثر انفصال العرب عن الخلافة العثمانية لكنها كانت تحت الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى ثم استقلت بعد الحرب العالمية فما هي أبرز   صفاتها:

1- غياب النزعة التوحيدية وبروز النـزعة القطرية

كثر الحديث عن الوحدة والتوحد بعد استقلال الدول العربية عن دول الانتداب الأجنبي غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م ، وبعد قيام اسرائيل وبروز التهديد المؤكد للأمة ،لكننا نجد نتائج محدودة، وأقصى صيغة توحيدية قامت هي الجامعة العربية ، وانبثقت عنها مؤتمرات القمة العربية ، وقد قامت بعض الأعمال الوحدوية مثل الوحدة المصرية السورية في عام1958م  لكنها انتهت في أيلول/ سبتمبر1961م بانفصال سورية عن مصر، لكن الملاحظ هو ترسخ القطرية والإقليمية مع مرور الزمن، والملاحظ أيضا ضعف فاعلية الصيغ السابقة من التوحيد كالجامعة العربية ومؤتمرات القمة .

وأبرز ما تتضح القطرية التي لا يراعي فيها جانب الأمة عند الإقدام على الخطوات السلمية مع العدو، فقد برّر السادات إقدامه على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979م، بتضحيات مصر السابقة ومصلحتها الاقتصادية للمستقبل في مهادنة اسرائيل، وعزف ياسر عرفات على نفس النغم عندما وقع اتفاقيات أوسلو بأن الشعب الفلسطيني قد ضحى كثيرا، وبأنه تحمل أكثر مما يجب، وكذلك تحدث الأردن بنفس المنطق عندما وقع اتفاقيات وادي عربه.

الخلاصة

إننا نجد أن الدولة العربية الحديثة التي قامت بعد الاستقلال تعززت حدودها وترسخت، وزادت الحواجز بين الدول العربية على عكس الدولة التي قامت بعد الاحتلال الصليبي فقد رأينا نجاح خطواتها التوحيدية مما يوضح عاملا من عوامل النجاح في مواجهة الهجمة الصليبية. وعدم توفره في مواجهة الهجمة اليهودية.

2- غياب الاستقلال السياسي والاقتصادي

لقد بدأت الدولة العربية الحديثة وجودها بعد الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب الأجنبي، وهذا يعني أنها لم تكن تملك أي استقلالية في مواقفها السياسية، وقد استقلت بعض الدول العربية قبل الحرب العالمية الثانية كالعراق ومصر، لكنها لم تكن مستقلة في حقيقة الأمر فقد كبلتها الاتفاقيات السياسية التي شكّلها المستعمرون حسب مصالحهم، وكبّلها الضباط الأجانب الذين كانوا يقودون جيوشها.

وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية بدأت معركة الأحلاف التي هي صورة جديدة من صور التبعية للغرب وإلغاء الاستقلالية ، وقد ارتبطت بعض الدول العربية بهذه الأحلاف، وربما كان جمال عبد الناصر أبرز حاكم حاول أن يظهر نفسه في بعض المراحل في صورة المعادي لبعض دول الغرب والبعد عن هيمنته، لكن السبب في هذا الظهور ليس استقلاله السياسي، وإنما السبب يكمن أن المنطقة كانت في حالة انتقال من النفوذ الإنجليزي والفرنسي إلى النفوذ الأمريكي، مما سمح له بهذا الهامش من الحركة والدعوى ، وعندما انتهت المرحلة، وصفّت أمريكا  الاستعمار القديم جاء  خلفه السادات مُعبّرًا عن المرحلة الجديدة ليطرد الخبراء الروس في صيف عام 1972 م، وليعلن عبارته المشهورة التي كررها لسنوات متعددة أن 99% من أوراق المنطقة في أيدي أمريكا، ثم نفذ هذه المقولة، وربط مصر بأمريكا من خلال اتفاقية كامب ديفيد ليصبح قرارها السياسي مرتهنا علنا بيد أمريكا بعد أن كان سرا في الخفاء.

أما اقتصاد الدولة العربية الحديثة فقد كان مرتبطا ارتباطا كاملا بالدولة المنتدبة بعد الحرب العالمية الأولى ، وكانت هذه الدولة نهبا كاملا للدولة المستعمِرة، ولما حدث الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية ، بقيت الدولة العربية الحديثة  تتخبط وتنتقل من أزمة إلى أخرى ، وذلك لعدة أسباب منها : الاضطراب السياسي ، ومنها التخبط في السياسات الاقتصادية الذي تمثل في التطبيق الطفولي للنظريات الاقتصادية الرأسمالية والشيوعية منها ، ومنها النهب الاستعماري ، وقد أدى ذلك كله إلى غياب التصنيع من جهة ، واستفحال الأزمات التي أدت إلى العجز الاقتصادي المستمر من جهة ثانية .

إن غياب الاستقلال السياسي والاقتصادي من الدولة العربية الحديثة أفقدها شرطاً أساسيّاً من شروط الانتصار في حين أن هذا الشرط كان متحققاً لدى الدولة الزنكية والأيوبية مما جعلها تملك عاملاً من عوامل الانتصار.

3- غياب التوافق العقائدي

اعتمدت الدولة العربية الحديثة القومية العربية كعقيدة من أجل تبرير وجودها، وكان هذا التوجه العقائدي القومي يعني قطع صلات الأمة بماضيها الإسلامي الذي يقوم على القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة والذي ملأ كل شعب الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والنفسية، إلخ.

وبالفعل هذا ما قامت به قيادة الدولة العربية الحديثة، ففرضت التغريب على الأمة ووقع صراع رهيب بين قيم الغرب وعاداته وأفكاره ونظمه وبين قيم الإسلام وعاداته وأفكاره ونظمه، وكانت حصيلة الصراع انقسام الأمة وتمزقها وسير قسم من أبناء الأمة في تيار التغريب، وضياع قسم آخر بين التغريب والإسلام.

وها هو ذا قد مر على الصراع ما يقرب من مائتي سنة ولما ينته بعد ومما زاد في عمق الشرخ الذي تعيشه الأمة، والتجاذب الذي يمزقها، أن القيادات العربية تنقل الحضارة الغربية بصورتها الفجّة دون مراعاة لواقع أو ظروف خاصة هذا ما حدث في تطبيق الديمقراطية في السابق وفي تطبيق الاشتراكية في اللاحق، مع أن دولة كإسرائيل طبقت الديمقراطية والاشتراكية لكنها راعت في كثير من تطبيقاتها ظروفها وتاريخها وقيمها فكان هناك الهستدروت وكان هناك الموشاف وكان هنالك الكيبوتز (12).

إن الصراع بين الفكر القومي وعقائد الأمة والسعي الدؤوب من قبل قيادات الدولة العربية الحديثة في حمل جماهير الناس على الحضارة الغربية جعل الأمة تعيش في اضطراب وقلقلة وفي غير توافق عقائدي مما أضعفها، وسهّل انهزامها.

الخلاصة

إن اتصاف الدولة الزنكية بالنزعة التوحيدية والاستقلال السياسي والاقتصادي، والتوافق العقائدي أهّلها للانتصار، وإن افتقاد الدولة العربية الحديثة لهذه الصفات جعلها تقع في عداد المهزومين.

الهوامش:

(1) ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، ص 187-191.

(2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـ 8، ص 359.

(3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـ 9، ص 8-9.

(4) علية الجنزوري، إمارة الرها الصليبية (القاهرة 1975)، ص 308-312.

(5) ابن القلانسي، ذيل تاريخ دمشق، ص 327.

(6) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـ 9، ص 111-112.

(7) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، جـ 9، ص 176-179.

(8) المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، جـ 1، ص 59-60.

أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، جـ 1، ص 241.

(9) المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك، جـ 1، ص 52. أبو شامة، كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، جـ 1، ص 57-58، ص 69، ص 89.          ابن الأثير التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، ص 308.

(10) ابن مماتي، قوانين الدواوين، تحقيق الدكتور عزيز سوريال، ص 354-355.

(11) المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، جـ 1، ص 82.

(12) الموشاف والكيبوتز شكلان اقتصاديان طبقتهما اسرائيل يجمعان بين الأصول الاشتراكية والاقتصاد الحر الذي يراعي مصلحة الفرد.

روابط خارجية

المقال من موقع المنتدى العالمي للوسطية

اكتب تعليقاً

اترك رد