info@example.com +(00) 123-345-11

حول مسألة النهوض ووعي الواقع؟

وعي الواقع

طرح شكيب أرسلان في مطلع القرن العشرين سؤالاً: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟

وهو سؤال جوهري أجاب عليه في رسالة كتبها وأجاب غيره عن السؤال نفسه، وبغض النظر عن قيمة الأجوبة، ففي تقديري يجب أن يتغير السؤال بعد مرور ما يقرب من قرن على سؤال شكيب أرسلان ليصبح: لماذا لم ننهض؟

لا شك أن السؤال بهذه الصورة يعترف بعدم نهوضنا، ويدفع جميع العاملين في ساحة النهوض من إسلاميين وقوميين واشتراكيين وليبراليين إلى البحث عن أسباب ذلك.

        لا شك أن عدم النهوض ناتج من عدة عوامل أبرزها عدم الانطلاق من الواقع، وعدم توصيف احتياجاته، وحصر سلبياته وإيجابياته، وتحديد نقاط قوتة وضعفه إلخ… فمنذ نهاية القرن التاسع عشر انطرح سؤال أساسي لبناء النهضة، وهو: من نحن؟ فكان الجواب عليه متعدداً، ومن ضمنها: نحن أمة فرعونية، نحن أمة سورية، نحن أمة عربية، نحن جزء من حضارة البحر الأبيض المتوسط، نحن شرقيون، نحن قطعة من أوروبا، نحن أمة لبنانية، نحن عثمانيون (نسبة للخلافة العثمانية في استامبول) إلخ… وكانت معظم الأجوبة إن لم يكن كلها لا تنطلق من الواقع بل تنطلق من نظريات ومقولات غربية، ففي حال القول: نحن أمة مصرية أو سورية، كان ذلك نقلاً عن النظرية الفرنسية التي تغلّب العوامل الجغرافية في إنشاء الأمة, وفي حال القول: نحن أمة عربية، كان ذلك نقلاً عن النظرية الألمانية التي تغلّب عاملي اللغة والتاريخ في تكوين الأمم، وفي حال القول: نحن عثمانيون، كان ذلك نقلاً عن النظرية التي تغلّب عامل المشيئة والإرادة في قيام الأمم، وكانت بعض الأقوال تغلّب العامل الاقتصادي كما حدث مع النظرية الستالينية الماركسية التي اعتبرت الدولة القومية في القرن التاسع عشر من صنع البورجوازية من أجل الوقوف في وجه طبقة البروليتاريا إلخ…

        لكن أياً من الداعين إلى النظريات السابقة لم ينطلق في إقراره لتلك النظرية من واقع الأمة، بل انطلق من الأعلى من إسقاط تلك النظرية على الأمة، ففي حال الدعوة إلى القومية العربية المستندة إلى النظرية الألمانية التي تغلّب عاملي اللغة والتاريخ، لم يوضح ساطع الحصري – وهو أبرز الآخذين بها – كيفية توحيد هذين العاملين للمشاعر والعواطف في أمتنا، ولا كيفية صياغتهما للعادات والتقاليد الواحدة، ولا كيفية بنائهما للثقافة الواحدة إلخ… بل كانت كل أحاديثه منصبة على دور عاملي اللغة والتاريخ في إنشاء الأمم الأخرى كالأمة الألمانية واليونانية والفرنسية إلخ… وقل الشيء نفسه عن انطون سعادة في دعوته إلى القومية السورية التي تغلّب العوامل الجغرافية، فهو قد تحدث عن السلالات والمتَّحدات وتطور المجتمعات وتطور الثقافات ودورها في إنشاء الأمم، ولم يطبق ذلك على أمتنا، ولم يبيّن سعادة كذلك كيفية تكوّن وحدة المشاعر والعواطف والعادات والتقاليد والثقافة والتراث المعنوي في الواقع المحيط به. وكذلك دعا أحمد لطفي السيد إلى القومية الفرعونية، لكنه لم يبيّن لنا كيفية ارتباط واقع الشعب المصري وعاداته وتقاليده ومشاعره وثقافته ولغته بالواقع الفرعوني، وأرجح أنه استند في دعوته تلك إلى وجود بعض الآثار القائمة كالأهرامات والمعابد والمقابر والتماثيل إلخ…، وهذا غير كاف لربط الشعب المصري بالحضارة الفرعونية. ثم جاءت حركة القوميين متأخرة في الخمسينيات من القرن الماضي لتزيد من حجم الابتعاد عن الواقع قي مقولتها للقومية، وقد تم ذلك عندما أدخلت شعوباً وأمماً سابقة في نطاق القومية العربية كالفراعنة والفينيقيين والكلدانيين والآشوريين والبرابرة إلخ… وعلّلت ذلك بأنها المرحلة غير الواضحة من القومية، وكان من حق الأمة على حركة القوميين العرب أن تكون أكثر واقعية وأكثر تقويماً ونقداً للنظريات التي سادت أوساط الأمة نتيجة التأخر الزماني، وتوفر فرصة المراجعة التي لم تتح لغيرها لكن شيئاً من هذا لم يحدث.

        وقد أدى عدم الانطلاق من الواقع إلى نقص الوعي بسلبيات الأمة وإيجابياتها، والأهم من ذلك عدم وضع البرامج لمعالجة تلك السلبيات والاستفادة من تلك الإيجابيات، ففي حال السلبيات نجد أن ظاهرة ضمور الجانب الجماعي والسلبية إزاء الواقع المحيط لدى قطاع كبير من أبناء المجتمع، لم تلقيا دراسة فاحصة متعمقة، وفي حال الإيجابيات نجد أن ظاهرة الوحدة الثقافية التي يمتاز بها واقعنا لم تلق قدراً كافياً من المحافظة والتحصين، وقد أدى كل ذلك القصور في وعي الواقع إلى تعثر النهضة، ليس ذلك فحسب بل إلى زيادة سلبيات الواقع واستهلاك إيجابياته.

        وقد اجتهدت تلك الدعوات والجماعات والأحزاب أن تغطي قصورها، وعدم موضوعيتها في تعاملها مع الواقع بالصراخ الايديولوجي سواء في تعاملها مع خصومها أم أتباعها، ففي حالة تعاملها مع خصومها اتهمتهم بالخيانة والزندقة، وفي حالة تعاملها مع أتباعها بشرتهم بالفردوس الأرضي، وغذّت أحلامهم بأن قيام الوحدة العربية أو الوحدة السورية أو الوحدة الإسلامية سيحل كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأمة، وسيقضي على اسرائيل، وسيحقق للأمة دورها الحضاري الفاعل الريادي إلخ… ولكن كيف تتحقق الوحدة العربية أو الوحدة السورية أو الوحدة الإسلامية ونحن لم نعي واقعنا وعياً تفصيلياً؟!!! كيف نحقق تلك الأهداف ونحن لم ننطلق من واقعنا في بنائها وإشادتها؟!!!

نظرة أخرى لمقال الفكر القومي العربي وإعاقة النهضة

 
اكتب تعليقاً

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: