info@example.com +(00) 123-345-11

عن الديمقراطية في “مشروع الشرق الأوسط الكبير”

مشروع الشرق الأوسط الكبير

طرحت الولايات المتحدة الأمريكية على مجموعة الدول الصناعية الثماني مشروعاً لمناقشته في اجتماعهم القادم في حزيران 2004م تحت اسم “مشروع الشرق الأوسط الكبير” وقد حدّد المشروع منطقة الشرق الأوسط الكبير بأنها الدول العربية مضافاً إليها: تركيا وإيران وأفغانستان وباكستان، وقد شخّص المشروع نواقص المنطقة بأنها الحرية، وتدنّي مستوى المعرفة، وتمكين المرأة، لذلك اقترح المشروع أوّليّات للإصلاح تعالج النواقص التي حدّدها تقرير الأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية العربية عبر: تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء مجتمع معرفي، وتوسيع الفرص الاقتصادية. ثم تحدّث المشروع عن مساعدات يمكن أن تقدّمها مجموعة الثماني لترسيخ الحرية والديمقراطية وبناء المجتمع المعرفي وتحقيق التنمية الاقتصادية.

        ليس من شك بأن أول الأهداف التي رسمها المشروع هو تحقيق الديمقراطية في المنطقة، وهو الهدف الذي جاءت به أوروبا، ونادى به المصلحون العرب منذ القرن التاسع عشر، وشرعت أقطار متعدّدة في تطبيقها منذ القرن التاسع عشر كالسلطة العثمانية وتونس في عهد خير الدين التونسي ومصر في عهد الخديوي اسماعيل، ثم جاء التطبيق الأوسع بعد الحرب العالمية الأولى إذ شمل مصر والعراق وسورية والأردن والمغرب ولبنان إلخ…، وقامت تجارب غنية وواسعة لكنّها تعثّرت ولم يكتب لها الاستمرار والنجاح.

        وإذا أردنا أن ينجح أي تطبيق جديد للديمقراطية علينا أن نعرف السبب في فشل الديمقراطية في السابق لكي نتجنّبه في المرحلة القادمة، ولكي نعرف السبب في فشل تطبيق الديمقراطية في القرن التاسع والقرن العشرين علينا أن نحلّل الديمقراطية، ونرى العناصر التي تكوّن محتواها، فنجد أنها تنقسم إلى فلسفة وآليّات، الفلسفة: تعتبر الحقيقة نسبيّة، وتؤكّد أنه ليس هناك حقيقة مطلقة، وهذه المقولة جاءت نتيجة ظروف تاريخية خاصة بالغرب، وتطوّر معيّن لحياته الاجتماعية والسياسية والعلمية إلخ…، وآليّات: من مثل وجود دستور، وإقرار مبدأ الانتخاب، والمحاسبة للمسؤولين، ومبدأ تداول السلطة، واحترام رأي الأقلّية، ووجود أحزاب، وإقرار مبدأ حرية الصحافة إلخ… لاشك أن فلسفة الديمقراطية التي تعتبر الحقيقة نسبية تصطدم مع كثير من ثوابت الدين الإسلامي وحقائقه، لكن الآليّات تعتبر مقبولة ولا تصطدم مع شيء من حقائقه ومبادئه، لذلك لم أجد فيما اطلعت عالماً أو تكتّلاً أو حزباً رفض الديمقراطية بهذا المعنى بدءاً من شيخ الإسلام في الآستانة الذي أقرّ خطي كلخانة والهميوني الشريف عامي 1839م و 1867م، واللذين أقرّا بحقوق الإنسان وإيجاد دستور للبلاد ومبدأ الانتخاب وإيجاد مجلس المبعوثان، ومروراً بمحمد رشيد رضا، وانتهاء بالقيادات السياسية المعاصرة. إن عدم التمييز بين الفلسفة والآليّات هو العامل الرئيسي الذي أدّى إلى فشل تطبيق الديمقراطية عندنا في السابق، ومما يؤكّد ذلك أن نجاح التطبيق في بعض الدول كاسرائيل واليابان جاء بعد الاعتراف بهذا الفصل بين الفلسفة والآليّات.

        أما اسرائيل فنجد أن لديها ديمقراطية مستقرّة كما أشار المشروع إلى ذلك في إحدى فقراته، وسبب ذلك أنها كيّفت نظامها الديمقراطي لكي يتماشى مع موروثاتها الدينية وعقائدها التوراتية، فقد اعترف عدد من زعماء الصهيونية بدءاً من تيودور هرتزل وانتهاء بدافيد بن غوريون، ومروراً بحاييم وايزمان بتزاوج الصهيونية واليهودية، فأعلن هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م في بازل، فقال: “إن العودة إلى صهيون يجب أن تتبعها عودتنا إلى اليهودية” واعترف حاييم وايزمن أول رئيس لدولة اسرائيل بتلازم الصهيونية واليهودية فقال: “إن يهوديّتنا وصهيونيّتنا متلازمتان ولا يمكن تدمير الصهيونية دون تدمير اليهودية”، ووضّح دافيد بن غوريون أور رئيس للوزارة الاسرائيلية أهمية التوراة للصهيونية فقال: “إن الصهيونية تستمدّ وجودها وقوّتها من مصدرين: الأول: التوراة، الثاني: الثورات التي اجتاحت أوروبّا”.

        أما اليابان فنجد أن قياداتها لم تتنكّر للدين والموروثات التاريخية في كل مراحل نهضتها، بل أعطت الاعتبار الكامل للديانتين السائدتين وهما: الشنتو والبوذية، كما أعطت الاعتبار الكامل للإمبراطور الذي هو من سلالة الآلة في رأيهم، واعتبرته رمزاً للأمّة اليابانية.

        أما القيادات الفكرية العربية التي جاءت في مطلع القرن العشرين سواء في مصر أو بلاد الشام فإنها لم تعتبر الدين عاملاً في تكوين الأمّة، بل اعتبرت اللغة والتاريخ هما عاملا التكوين حسب المدرسة الألمانية، واعتبرت العامل الجغرافي هو عامل التكوين حسب المدرسة الفرنسية، لذلك عندما طبّقت الديمقراطية لم تميّز بين الفلسفة والآليّات وساوت بينهما في بعض الأحيان، بل قسّمت الفلسفة على الآليّات في أحيان أخرى.

والسؤال -الآن- في زحمة المشاريع لإحياء التطبيق الديمقراطي: هل نستفيد من أخطائنا وتجاربنا السابقة؟

اكتب تعليقاً

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: