info@example.com +(00) 123-345-11

في مقولة: لاسياسة في الدين و لا دين في السياسة

راجت في الفترة الأخيرة مقولة “”لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة””، ودعا بعض المفكرين والسياسيين إلى اعتمادها أساساً في حياتنا الاجتماعية والسياسية، فما مبررات الدعوة إليها؟ ومن أين جاءتنا؟ وما تقويمنا لها على ضوء تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف؟ يطرح دعاة مقولة “”لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة”” ثلاثة مبررات لدعوتهم تلك هي: أولاً: الدين يمثل ما هو مطلق وثابت، بينما تمثل السياسة ما هو نسبي ومتغيّر. ثانياً: الدين يوحّد في حين أنّ السياسة تفرّق. ثالثاً: السياسة تحركها المصالح الشخصية والفئوية وأنّ الدين يجب أن ينـزّه عن ذلك.

 أما المبرر الأول وهو قولهم: إنّ الدين يمثل ما هو مطلق وثابت، فيما تمثل السياسة ما هو نسبي ومتغيّر فهذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه، بل الدين فيه جوانب تمثّل ما هو مطلق وثابت وفيه جوانب تمثّل ما هو نسبي ومتغيّر، وكذلك السياسة فيها جوانب تمثّل ما هو مطلق وثابت وفيها جوانب تمثّل ما هو نسبي ومتغيّر، ويمكن أن نوضّح ذلك بأمثلة من المجالين: الدين والسياسة. هناك أمور ثابتة في الدين لا تتغيّر من مثل: صفات الله ? وأسمائه، وأحكام الزواج والطلاق، والميراث، والصلاة، والصيام إلخ . . .، وهناك أمور متغيّرة في الدين تنشأ بسبب التطورات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والفنية إلخ . . .، وتحتاج إلى أحكام جديدة بالإستناد إلى تلك الثابتة وينظم ذلك علم أصول الفقه. وكذلك السياسة تعالج أموراً ثابتة مثل الحفاظ على الأمة والتوحيد والأخلاق والأموال إلخ . . .، وتعالج أمور متغيّرة تختلف فيها وجهات النظر وتختلف الأحكام من وقت إلى آخر من مثل: صورة العلاقات الدولية مع الدول، وأولويات البرنامج الاقتصادي، ومراحل بناء المنهاج التربوي، وكيفية تدعيم أخلاق المجتمع إلخ . . .

       أما المبرّر الثاني في المقولة السابقة وهو قولهم: إنّ الدين يوحّد وإنّ السياسة تفرّق فهذا مرهون بنوع السياسة، فالسياسة التي تفرّق هي السياسة المنفصلة عن المبادئ والقيم والأخلاق والمثل، أما السياسة المرتبطة بالمبادئ والقيم والأخلاق والمثل والتي تعتبر الدين الإسلامي مرجعيتها فهي توحّد ولا تفرّق كمثل الدين سواء بسواء.

       أما المبرر الثالث وهو قولهم: إنّ السياسة تحرّكها المصالح الشخصية والفئوية وأنّ الدين يجب أن ينـزّه عن ذلك فهو انعكاس لمقولة مسيحية تميّز بين النجس والمقدّس، فكل ما هو دنيوي نجس وكل ما هو ديني مقدّس، في حين أنّ هذه القسمة ليست مطروحة في الحياة الإسلامية بل كل عمل دنيوي يؤديه المسلم كالطعام والشراب والرياضة والنزهة إلخ . . .، يعتبره الشرع عبادة ويأخذ عليه أجراً إذا ذكر الله في بدايته، أو إذا نوى فيه التقوّي على طاعة الله، ويدل على ذلك الحديث الذي قال فيه الرسول ? مخاطباً الصحابة: “”في بِضْع أحدكم صدقة”” قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: “”أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إن وضعها في الحلال كان له فيها أجر””. كذلك كانت السياسات الساعية إلى تحقيق هذه المصالح والشهوات مشروعة ومقبولة في نظر الشرع الإسلامي.

       لقد جاءت تلك المقولة من الحضارة الغربية التي استقرت نهضتها على فصل الدين عن الدولة بعد أن حجرت الكنيسة على الحقائق العلمية، وأصدرت أحكاماً جائرة على العلماء، لكنّ هذا لم يحدث في تاريخنا فليس هناك مؤسسات كهنوتية وليس هناك رجال دين، بل قامت الدولة على الدين، وعضد الدين الدولة، وحث الإسلام المسلم على الاهتمام بالشأن العام فقال ?: “”من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم””، وزكّى القرآن الأمة لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقال تعالى””كنتم خيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ تأْمُرونَ بالمعروفِ وتَنْهَوْنَ عنِ المُنْكَر“” (آل عمران،110)، وأحد المعاني المباشرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو توجيه جانب من وعي المسلم للواقع المحيط به والاجتهاد في تطهيره ومعالجته والارتقاء به، لذلك جاء تصوير الرسول ? المسلمين بالجسد الواحد الذي تظهر عليه أعراض المرض في حالة إصابة عضو منه، قال ?: “”مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر””. وهذه دعوة واضحة وصريحة من الرسول ? إلى المسلم ليس للاهتمام بشؤون إخوانه المسلمين الآخرين فحسب بل لاتخاذ الأساليب التي تؤدّي إلى إزالة أسباب الشكوى عن إخوانه الآخرين، وهل يكون ذلك إلا بالعمل السياسي والتعاطي مع السياسة والاختبار بين السياسات والترجيح بين السياسيين؟ لا أظن إلا ذلك.

اكتب تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *