info@example.com +(00) 123-345-11

عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب

أطلق كثير من الكتاب على تاريخنا الإسلامي أنه تاريخ استبداد، وصنفوا في ذلك كتبا ودراسات ونظريات. وأرجع بعضهم سبب تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي إلى هذا المعطى.

ويعود سؤال العلاقة بين الاستبداد والفكر الإسلامي ليلقي بظلاله اليوم، مع اندلاع ثورات الربيع العربي، التي أعادت بالفعل طرح ليس فقط إشكالية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وإنما أيضا أعادت قراءة التاريخ السياسي العربي والإسلامي، ومقارنته بما جرى ويجري في باقي ثقافات وحضارات العالم.

فلماذا هذا الربط بين الاستبداد والفكر الإسلامي تحديدا؟ الكاتب والباحث في شؤون الفكر الإسلامي الدكتور غازي التوبة يجيب على هذا السؤال في هذا العرض المفهومي والتاريخي للاستبداد في علاقته بالأديان.

للجواب على هذا السؤال لنر أولاً: علام يقوم الاستبداد؟

ومن أجل الإجابة على السؤال السابق سنستعرض طبيعة الحكم في ثلاث حكومات في التاريخ، وهي: الحكومة الكنسية، وحكومات الملوك الإقطاعيين، والحكومة الفارسية.

طاعة الحكام في المسيحية

لقد كان موقف المسيحية منذ البداية داعياً إلى طاعة الحكام وعدم مناوأتهم، فقد أرجع القديس بولس السلطة إلى الله، فقال: “ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلاّ من الله. والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. ومن يقاوم السلطان ـ إذن ـ إنما يعاند ترتيب الله. والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم” وتعتبر أقوال بولس من الأقوال المرجعية في الفكر الكنسي في صدد الموقف من الحكام.

ثم بعد أن أصبحت السيادة للكنيسة في القرون الوسطى، أصبح السلطان هو البابا، وعندما حاول فريدريك الثاني المطالبة لنفسه بالسلطة التامة أجابه البابا إينوسان الرابع (1243 ـ 1254م) بأن سلطة الحكومة الزمنية لا يمكن أن تُمارس خارج الكنيسة “لأنه ليس هناك من سلطة أسسها الله خارجها”، وأضاف: “إن نائب المسيح تلقى سلطة ممارسة قضائه بواسطة المفتاح الأول على الأرض بالنسبة للأمور الزمنية، وبواسطة المفتاح الثاني في السماء بالنسبة إلى الأمور الروحية”.

ثم تمرّد الملوك الأوروبيون على سلطة الكنيسة، وفصلوا السلطة الزمنية عن السلطة الكنسية، وقد فعل ذلك فيليب الجميل الذي حكم فرنسا (1285 ـ 1314م)، وأصدر قراراً في عام 1297م فصل فيه الحكومة الزمنية عن الحكومة الدينية، وأقام سلطته على حق الملوك المقدس، أو نظرية الحق الإلهي، وتقوم هذه النظرية على أن السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض وعن طريقهم يدير شؤون مملكته، لذلك لم يكن العرش الملكي عرشاً ملكياً فقط، بل كان ذلك العرش هو عرش الإله ذاته، فالملوك يَحِلّون محل الإله الأب، وهي مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض.

ومن الكلام السابق بدءاً من كلام الرسول بولس، مروراً بكلام البابا إينوسان، إلى كلام الملك فيليب نجد أن الاستبداد يقوم على خمسة عناصر هي: السلطة مقدسة، الحاكم مقدس، السلطة مطلقة، ولا يجب أن تكون محل اعتراض، السلطة أبوية وهذا يعني أن البشر عاجزون عن تدبير أنفسهم، وهم بحاجة إلى هذه السلطة الحاكمة، والسلطة تقوم على قهر الرعية.

الاستبداد في الدولة الفارسية

أما الاستبداد الذي عرفته الدولة الفارسية، فهو يمثل الذروة في تطويع الشعوب للمستبدين، وخير ما يعبّر عن هذه المنظومة الثقافية الفارسية هو “عهد أردشير” الذي كتبه أردشير لولده، واعتبرت هذه المنظومة أن الدين طاعة رجل، وأن طاعة السلطات من طاعة الله، واعتبرت ـ أيضاً ـ أن الملك عنصر أساسي وضروري في الأخلاق الكسروية، وطاعته هي القيمة المركزية في هذه الأخلاق، وقد دمجت الثقافة الكسروية في النهاية “الدين والطاعة والسلطان” في حزمة واحدة.

من خلال المقارنة بين المنظومة الثقافية للكنيسة والملوك الإقطاعيين من جهة وبين المنظومة الكسروية من جهة ثانية نجد كثيراً من التشابه في عناصر الاستبداد، فنجد أن السلطة مقدسة والحاكم مقدس عند كلتيهما، وأنهما متطابقتان في بقية العناصر وهي: أن السلطة مطلقة، وأبوية، وقهرية.

استبداد الدولة الإسلامية

أما الاستبداد الذي عرفته الدولة الإسلامية فهو يختلف عن الاستبداد الذي عرضنا عناصره فيما سبق، فهو لا يعطي القدسية للحاكم ولا للسلطة وقد دل على ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلمته التي ألقاها عند توليه الخلافة: “أيها الناس لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

وقد أوضح أبوبكر الصديق في كلمته إلى المسلمين الذين انتخبوه أنه حاكم بشر، وأن سلطته بشرية، وأنها محددة بشرع الله وطاعة الله ورسوله، وأنه مسموح الاعتراض عليه، وقد بقي هذا الفهم راسخاً عند المسلمين على مدار القرون، وهو أساس المنظومة الثقافية الإسلامية في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهناك عشرات الأدلة على ذلك، وقد اتضح هذا في مسيرة العلماء ـ رحمهم الله جميعاً ـ على مدار الأربعة عشرة قرناً، منهم على سبيل المثال لا الحصر أئمة المذاهب الأربعة: أبو حنيفة، مالك بن أنس، الشافعي، أحمد بن حنبل إلخ…

ولذلك ليست سلطة الحاكم مطلقة في الحكم الإسلامي بل مقيدة بالشريعة الإسلامية المعلنة، ويمكن أن يعترض المسلمون على بعض تصرفات الحاكم، بل هذا واجبهم، وسلطة الحاكم لا تقوم على قهر الشعب لأن هناك تواصلاً ثقافياً بين الحاكم وبين الشعب قام على اللقاء في الحقائق التي طرحها القرآن الكريم في مختلف المجالات: الإنسان، والكون، والحياة، وما قبل الحياة، وما بعد الموت إلخ..

حرص الإسلام على “الشورى” وأمر بها، فقال تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” (الشورى 38) “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” (آل عمران 159) ومع ذلك فإن الدولة الإسلامية عرفت نوعاً من الاستبداد، فما هي أبرز صفات هذا الاستبداد؟

من خلال استقرائنا لوقائع التاريخ الإسلامي، نجد أن أبرز صفات الاستبداد السلطاني، وهي:

1 ـ الاستبداد السلطاني لا يشاور الآخرين: فكان الحاكم المتغلب يصرف أمور الحكم دون مشاورة واسعة، كاملة وتامة لأهل الحل والعقد والرأي في زمانه.

2 ـ الاستبداد السلطاني لا يشارك الآخرين: كان الحاكم المتغلب لا يجعل الآخرين يشاركونه في قرارات الحكم، وينفرد وحده بتصريف أمور الحكم.

استبدادهم واستبدادنا

إذن هناك خلاف نوعي بين الاستبداد الذي عرفته المنظومتان الثقافية الفارسية والأوروبية من جهة، والمنظومة الثقافية الإسلامية من جهة ثانية، لذلك كان الإصلاح بالنسبة للمنظومتين الأوليتين لا يتم إلا بالثورة على تلكما المنظومتين وتدميرهما والمجيء بغيرهما، وهو ما حدث في الثورة الفرنسية عام 1789م، أما بالنسبة لاستبداد الدولة الإسلامية فيحتاج إلى تغيير شخص الحاكم، وليس تغيير المنظومة الثقافية، وهذا ما حصل في عدة مراحل من التاريخ الإسلامي.

فعندما جاء عمر بن عبد العزيز إلى الحكم عام 99 للهجرة انتهت كل مفاعيل الاستبداد السابق، وعادت الأمور إلى وضعها الطبيعي في كل المجالات: المالية والاجتماعية والسياسية إلخ، ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وصف بالخليفة الراشد الخامس، ووصف كذلك بأنه مجدد المائة الأولى من تاريخ أمتنا، من أجل الأعمال التي قام بها.

وقد نقل التاريخ -كذلك- أن حاكماً آخر أصلح الأمور وسار فيها بأحسن ما يمكن من الإصلاح والبعد عن الاستبداد وهو نور الدين زنكي حتى لقب بالخليفة الراشد السادس، وقد نقل لنا التاريخ -أيضاً- عن حكام كثيرين أقاموا مجالس للشورى في عدة مجالات، منها: القضاء، والمال، والجيش إلخ… وقد كان هذا في عهد المماليك، وكانت هناك أيام محددة لاجتماع السلطان مع هذه المجالس للتشاور معها فيما يتعلق بأمور الحكم.

مع وجود الاستبداد، فإن حضارتنا أفرزت عدة أنظمة ومؤسسات للتقليل من مفاعيل ذلك الاستبداد وآثاره على الفرد والمجتمع، وأبرز هذه الأنظمة والمؤسسات، هي:
 
1ـ القرآن الكريم هو الدستور:

جاء مفهوم الاستبداد من النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، حيث كان يملك الإقطاعي فيه الأرض ومن عليها من بشر وحيوان ونبات وشجر، ويتحكم فيهم حسب أهوائه ومزاجه وحسب ما يروق له دون وجود لقانون يرسم أفقاً أو حداً لتصرفاته وأعماله، لذلك عندما جاءت الثورات التي انبثقت عن المرحلة البرجوازية وحملت معها الدستور، اعتبرت هذه الوثيقة (الدستور) التي تحدّد بعض جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتبيّن واجبات الحاكم والمحكوم وحقوقهما، اعتبرت نهاية لعهد الاستبداد لأنها انتقلت في العلاقة بين الحاكم والمحكوم من العلاقة غير المحددة بأية قواعد أو ضوابط إلى العلاقة المحددة ببعض القواعد والضوابط.

لكن هذه الخاصية كانت موجودة منذ اللحظة الأولى في تاريخنا، حيث كان القرآن الكريم دستوراً لأمتنا لم يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل فصّل علاقة الحاكم بالمحكوم وبيّن واجبات الحاكم، من مثل: وجوب الشورى، وإقامة الصلاة، وجباية الزكاة وتوزيعها في مصارفها المحدّدة، ونشر الدين، وتحديد العقوبات التي يمكن أن يوقعها الحاكم على المحكومين من مثل: حد السرقة، وحد الزنا، وحد الحرابة،  وحد شرب المسكرات إلخ… وبيّن واجبات المحكوم من مثل: الطاعة طالما أن الحاكم مطيع لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والنصح للحاكم، ودفع الزكاة، والاستجابة لداعي الجهاد، إلخ.

إذن هذه التحديدات التي شرعها الإسلام في مجالات الحاكم والمحكوم وفي العلاقة بينهما وفي علاقتهما بالآخرين أزالت سبباً رئيسياً من أسباب الاستبداد.

2ـ بناء المسلم على عدم القابلية للاستبداد بل معاداته ومحاربته:

بنى الإسلام المسلم على معاداة الاستبداد، والاستعداد لمواجهته وذلك من خلال قصة موسى عليه السلام التي وردت في القرآن الكريم 136 مرة، والأرجح أن الحكمة من وراء ذلك توضيح أمر المستبدين، وإجلاء صور استبدادهم ومساوئه وآثاره، والتحذير منه، ليس ذلك فحسب بل قصد القرآن الكريم من ذكر تلك القصة، والحديث عن تفاصيلها، تعليم المسلم كيفية مواجهة أولئك المستبدين، وتعليم المسلم كيفية الانتصار عليهم، وذلك من خلال ثلاث خطوات وضحها القرآن الكريم، وهي:

1 ـ تشريح صورة المستبد.
2 ـ الأمر بمواجهة هذا المستبد.
3 ـ الزاد الذي يحتاج المسلم في المواجهة.

فرعون.. الصورة الأوضح للاستبداد

لقد وضح القرآن الكريم صورة فرعون كأجلى صورة، وذكر أنه اتصف بالانفراد بالرأي وفرضه على الرعية، فقال تعالى: “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ” (غافر، 29). واتصف فرعون بأن علاقته بشعبه هي علاقة قهر وقتل واستعباد واستعلاء …. فقال تعالى: “قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ” (الأعراف، 127). وكذلك اتصف فرعون بالاستئثار بأموال مصر فقال تعالى: “وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ” (الزخرف، 51).

ففي مجال تعليم المسلم مواجهة أولئك الطغاة المستبدين كان موسى عليه السلام هو المثال الأوضح في هذا الصعيد، فقد أمره الله أن يذهب إلى فرعون ويواجهه، فقال تعالى: “هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى” (النازعات، 15- 19). وقال تعالى: “اذْهَبَا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى*فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى *قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يطغى*قَالَ لَا تَخَافَا ? إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى” (طه، 43- 46).

فكان الدرس الأول الذي تعلمه موسى عليه السلام من كلام الله هو الاستجابة لأمر الله في مواجهة المستبدين، مع خوفه عليه السلام من بطش فرعون، لكن الله بين له العدة التي يمكن أن تقيه في تلك المواجهة وهي استحضار معية الله كما وضحت الآيات السابقة، لذلك عندما لحق فرعون موسى عليه السلام، وخوّفه قومه من وصول فرعون إليهم، استنكر موسى عليه السلام تخويفهم له بلحاق فرعون بهم، وأجابهم بأن الله معه سيهديه ويحفظه من جيش فرعون، قال تعالى: “فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا ? إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” (الشعراء، 61- 62).

تبين لنا قصة موسى عليه السلام مع فرعون أمرا أساسيا، وهو أن بناء الإنسان هو اللبنة الأولى في مواجهة الطاغوت المستبد، وهذا البناء يقوم على البناء النفسي السليم وعلى معرفة الله ـ سبحانه وتعالى ـ المعرفة الحقة بكل قوته وقدرته وعلمه وجبروته سبحانه وتعالى، ثم يأتي استحضار معيته في هذه المواجهة، لأنه لن يكون هناك صمود وانتصار دون حصول هذا البناء النفسي.

3 ـ اتساع النطاق المدني في حضارتنا:

لقد أفرزت حضارتنا عدة مؤسسات مدنية قللت من آثار الاستبداد، وهي: 

أ ـ طبقة العلماء التي قادت الأمة إلى جانب الأمراء: 

تميزت فترة الخلافة الراشدة بأن الخلفاء الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ كانوا أمراء الأمة وعلماءها في الوقت نفسه، لكن العهد الأموي شهد ظهور قيادتين للأمة هما: قيادة الأمراء وقيادة العلماء، ثم استمر الأمر على هذا المنوال في العهود التالية: العباسية، والمملوكية، والعثمانية، وقد كانت قيادة الأمراء تأخذ شرعيتها من التزامها بالشريعة الإسلامية، ثم يأتي دور طبقة العلماء ليعلنوا سلامة التزام قيادة الأمراء الجديدة بالشريعة وهذا ما يمكن أن نعتبره أول عامل يقلل من آثار الاستبداد ـ كما وضحنا ذلك في بداية الحديث ـ لأنه كان يحدّد علاقة قيادة الأمراء برعيتها، ويوضح واجبات وحقوق الطرفين:
 
الراعي والرعية، كما أنها (أي قيادة الأمراء) لم تكن تنفرد بقيادة جماهير المسلمين، بل كانت قيادة العلماء تشاركها في هذه القيادة من جهة، وتحاسبها على كثير من تصرفاتها من جهة ثانية مما يقلل من آثار الاستبداد السيئة، ولا أريد  أن أعدد أسماء العلماء الذين ساهموا في قيادة المسلمين على مدار التاريخ الماضي أو أعدد المواقف التي تشير إلى محاسبتهم الأمراء، فالتاريخ مملوء بشواهد تدل على الأمرين السابقين، والأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى تعداد أو تدليل، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: أبو حنيفة، مالك بن أنس، أحمد بن حنبل، العز بن عبد السلام، ابن تيمية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن قيادة العلماء لم تبق في صورة أشخاص إنما تحوّلت إلى أشبه ما يكون بالمؤسسة مع مرور الزمن فأصبحت هذه القيادة تحتوي عدة وظائف في العهد العثماني، منها: شيخ الإسلام الذي كان يسكن عاصمة الخلافة استامبول، ويأتي ترتيبه الثاني في البروتوكول  الرسمي بعد الخليفة وقبل الصدر الأعظم الذي هو رئيس الوزراء، ومنها أيضاً: القضاة، والفقهاء، ونقباء الأشراف، وخطباء المساجد وأئمتها، والمؤذنون والخدمة، والقرّاء، والوعّاظ إلخ. 

وكان هؤلاء يأخذون رواتبهم من خلال الأوقاف، وكان القضاة يقومون بالإضافة إلى قضائهم في الخصومات الشخصية والتجارية، بتثبيت مشايخ الحرف وفض منازعاتهم، وكان القضاة بمثابة حكام شرعيين للأمة، وكانوا يقومون بدور صلة الوصل بين الوالي والأهالي، فينقلون أحكام الوالي إلى الأهالي، وينقلون رغبات الأهالي وطلباتهم إلى الوالي. 

ب‌ ـ التنظيمات الحرفية:

فمن دراسة الحرف والصناعات نجد أن كل حرفة كانت تختار شيخها المناسب بإرادتها الذاتية المحلية، وكانت سلطة شيخ الطائفة تشمل إدارة شؤون أبناء الطائفة، والاهتمام بمشاكلهم، والإشراف على تنفيذ اتفاقاتهم، والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقات، وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة أخرى إلى القاضي بنفسه، وكان الوالي يتصل بأصحاب الحرفة عن طريقه.
وكان هناك “شيخ مشايخ الحرف أو شيخ التجار” وكان يعيّن بإجماع التجار ويشترط فيه أن يكون صاحب دين وأخلاق أهلاً للمشيخة لائقاً بها، وأن يختاره ويرضى به كامل التجار، وأن يوافق القاضي والسلطان على تعيينه، وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل الإشراف على كل طوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل بين الوالي والقاضي من جهة، وهذه الطوائف من جهة أخرى، ولا يتم أي تغيير إلا بعلمه ورأيه، وكان مشايخ الحرف كلهم يُنتخبون بحضوره ويُزكّون بتزكيته.

ت ـ مؤسسة الحسبة:

نشأت الحسبة في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي، ثم تطوّرت فأصبح يرأسها محتسب ومعه محتسبون معاونون، مهمتهم المحافظة على الآداب والأخلاق والنظافة والحشمة ومنع الغش وعدم الاختلاط . وقد كانت مؤسسة الحسبة تهدف أن تجعل الأخلاق الإسلامية سجية وطبعاً ليبقى المجتمع محافظاً على شخصيته وهويته.

ث ـ مؤسسة الأوقاف:

أما الأوقاف فقد شغلت ثلث ثروة العالم الإسلامي، وقامت بدور اجتماعي وثقافي واقتصادي كبير، فقد أنشأت المدارس والمكتبات، وأنفقت على العلماء وطلاب العلم، كما كلفت بعض العاملين بنسخ الكتب من أجل إيقافها على طلاب العلم، كما أنشأت الأوقاف المستشفيات التي كانت تعالج الناس مجاناً، كما أنشأت الخانات التي كانت تؤوي الناس على الطرقات، كما أوقفت الدور التي تساعد الفقراء وتؤويهم وتطعمهم إلخ. وقد مثلت مؤسسة الأوقاف إحدى أزهى حلقات تاريخنا الإسلام.

الخلاصة: هناك اختلاف نوعي بين الاستبداد الذي عرفه الغرب وفارس، وبين الاستبداد السلطاني الذي عرفته الدولة الإسلامية، ومع ذلك أفرزت الحضارة الإسلامية عدة أنظمة ومؤسسات تقلل من مفاعيل الاستبداد على الفرد والمجتمع.

رابط المقال من موقع عربي 21 عن الاستبداد السياسي والأديان.. مفاهيم وتجارب

اكتب تعليقاً

اترك رد