tawbahlike@hotmail.com +(00) 123-345-11

عن الديمقراطية والقيادات الدينية وبناء الوعي

الديمقراطية

المتابع للشأن الثقافي -الآن- يجد حديثاً مستفيضاً عن الديمقراطية في الصحافة والإذاعة والتلفزيون والمنتديات والمؤتمرات…، وتكاد هذه الاستفاضة تصل بالمتابع إلى حد الذهول، إذ تُصوَّر الديمقراطية في كل تلك الوسائل وكأنها الوصفة السحرية التي ستحل كل مشكلات المنطقة المستعصية بمجرد أن تلامس أرضها، وستنعم المنطقة بعدها بالأمن والسلامة والراحة والاطمئنان والغنى والتصنيع إلخ…، والملاحظ أن القيادات الدينية تدخل على الخط وتساهم في الترويج للديمقراطية، باعتبارها الشورى التي غابت عن المجتمع الإسلامي لقرون طويلة، وباعتبارها العلاج الذي سيحل مشكلة الاستبداد والظلم التاريخيين المتأصلين في واقعنا، وستنقل مجتمعنا إلى واحة العدل والأمان والطمأنينة بأيسر سبيل وأسرع وقت.

وهذا يذكرني بالحديث المستفيض عن الاشتراكية في الستينات من العلمانيين والقوميين واليساريين والماركسيين، وأنها ستحل في مجتمعنا مشكلات الفقر والتعليم والتربية وإسرائيل والتصنيع إلخ…، وأنها ستعيد الحياة والسعادة والابتسام إلى المحرومين والطبقات المسحوقة إلخ…، ثم طُبقت الاشتراكية ولم يتحقق شيء من ذلك بل زاد الفقر، وانحدر مستوى التعليم والتربية، وجفت الموارد، وازدادت صعوبات الحياة، ولم يتحقق التصنيع، بل دخلت البلاد في دوامة استيراد المواد الغذائية، وتوسعت إسرائيل وازدادت مساحتها أضعاف ما كانت عليه إلخ…

وربما كان أحد الأسباب الرئيسة في الوصول إلى نتائج معاكسة عند تطبيق الاشتراكية هو عدم تقديم الوعي الصحيح بها في مجالين:

  • الأول: التوضيح بأنها تحتاج إلى إرادة إنسانية وجهود بشرية عند إنزالها على الواقع وأنها أبعد ما تكون عن الوصفة السحرية.
  • والثاني: التوضيح بأنها تحتاج إلى اجتهاد إبداعي عند التطبيق من أجل المواءمة بين المنظومة النظرية وبين الواقع الذي ستطبق عليه هذه النظرية. لذلك غلب النقل الحرفي عند التطبيق فجاءت النتائج السيئة عند قطف الثمرات.

والخشية من أن نصل إلى النتائج نفسها التي وصلنا إليها في تطبيق الاشتراكية عند استدعائنا للديمقراطية، والسبب في ذلك هو عدم تقديم الوعي الصحيح بها، وهذا ما يفاجأ به الإنسان عند استعراض حديث القيادات الدينية عن الديمقراطية واختزالها بأنها إجراء الانتخابات، وتحكيم صناديق الاقتراع، واجتماع البرلمان إلخ…

في حين أن الديمقراطية التي توصل إليها الغرب جاءت نتيجة مخاضات طويلة وعسيرة، وصراع إرادات بشرية، وحصيلة ائتلاف قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية مختلفة إلخ…

تبلورت هذه الديمقراطية في أمور إنسانية مثل: احترام حقوق الإنسان، وإعلاء شأن الحرية في كل مجال، والمساواة المطلقة بين المواطنين في وطن واحد إلخ…

وتبلورت في أمور فكرية: نسبية الحقيقة، وحيادية الدولة إزاء مختلف القوى الاجتماعية من دينية ولا دينية، وضرورة قيام مجتمع مدني الخ…

وتبلورت في أمور اجرائية: مثل هل الانتخاب على درجة واحدة أم على درجتين؟ وهل نقيم مجلساً واحداً أم مجلسين؟ وهل يكون كلاهما منتخبين أم أحدهما؟ وهل يكون الرئيس التنفيذي منتخباً من البرلمان أم من الشعب؟ إلخ…

إن التسطيح في حديث معظم القيادات الدينية عن الديمقراطية وتقديمها على أنها منظومة ثقافية متوافقة في شكل كامل مع معطيات الإسلام سيهبط في مستوى وعي الإنسان العربي، وسيجعله لا يقدّر الجهد البشري المطلوب لتحقيق الانتقال إلى مجتمع العدل الذي يتطلع إليه من جهة، ويجعله لا يقدر حجم المواءمات المطلوبة منه من أجل أن تنجح عملية التخلص من الاستبداد من جهة ثانية.

المقال من موقع سعورس عن الديمقراطية والقيادات الدينية وبناء الوعي

اكتب تعليقاً

اترك رد