info@example.com +(00) 123-345-11

المسألة الثقافية بين أمريكا وأوروبا

المسألة الثقافية

اهتمت أمريكا بالمسألة الثقافية العربية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وزاد اهتمامها بهذه المسألة بعد احتلالها العراق، لأنها تريد أن تجعل العراق مفتاح التغيير الثقافي للمنطقة العربية كلها، فهي تريد أن تنقل عالمنا العربي من ثقافة الاستبداد والرأي الواحد والكراهية والتعصب، إلى ثقافة الحرية وتعدد الآراء والانفتاح والمبادرة الفردية إلخ…

        اتضح الاهتمام الأمريكي بالمسألة الثقافية العربية الإسلامية من خلال عدة مؤشرات أبرزها: تأليف بعض الكتب عن المسألة من قبل بعض كبار المستشرقين كبرنارد لويس، وكتابة بعض المقالات من قبل كتاب مرموقين على علاقة بصنع القرار في الإدارة الأمريكية كفرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون اللذين كتبا مقالين في مجلة “نيوزويك” الأسبوعية في نهاية عام 2001م عن أحداث 11 سبتمبر، وكفؤاد عجمي الذي كتب مقالاً في الـ “فورين أفيرز” تحت عنوان “العراق ومستقبل العرب” في العدد الصادر عن شهري يناير/فبراير 2003م، وإصدار مبادرات حكومية رسمية لمعالجة المسألة الثقافية وأهمها المبادرة التي أعلن عنها كولن باول تحت عنوان “قيادة الشراكة الأمريكية الشرق الأوسطية” بتاريخ 12/12/2002م.

        من الجلي أن المعالجات الأمريكية للمسألة الثقافية انطلقت جميعها من الحديث عن تخلف العرب الثقافي، وسوء الوضع الاقتصادي، وتفشي الاستبداد السياسي، وسعة انتشار الأمية، والمستقبل المظلم الذي ينتظر الأجيال القادمة، وتردي أوضاع المرأة الاجتماعي، وتدني المستوى التعليمي إلخ…

استهدف الإصلاح للمسألة الثقافية أربعة أمور:

  • إصلاح الجانب السياسي بنشر الديمقراطية وثقافة الحرية وتعدد الآراء وحقوق الإنسان إلخ….
  • وإصلاح الجانب الاقتصادي بإطلاق الحرية الاقتصادية، وتشجيع المبادرات الفردية، وربط اقتصاد المنطقة بالاقتصاد العالمي إلخ….
  • إصلاح وضع المرأة من خلال تعليمها، ورفع الظلم الواقع عليها، وإعطائها فرصتها الكاملة في العمل إلخ…
  • وإصلاح التعليم ونقله من التلقين إلى الإبداع، والتركيز على تعليم اللغة الانكليزية إلخ…

        وهذه المسائل التي تحدثت عنها الإدارة الأمريكية، ومفكرو أمريكا من أجل إصلاح الشرق الأوسط هي المسائل التي تحدثت عنها أوروبا في مطلع القرن العشرين: الديمقراطية، واقتصاد السوق، وتحرير المرأة، والتعليم إلخ…

وقد عالج طه حسين المسألة الثقافية في كتاب مستقل صدر في عام 1936م بعد استقلال مصر تحت عنوان “مستقبل الثقافة في مصر”، ونحن سنستعرض بشكل سريع بعض ما تحدث عنه من أجل التأكيد على أن ما تعالجه أمريكا حالياً هو نفس ما عالجته أوروبا في مطلع القرن العشرين، فماذا جاء فيه؟

        تحدث في بداية الكتاب عن العقل المصري، وجعل انتماءه إلى العقل الأوروبي من أجل أن يسهل الأوْربة على مصر، وامتدح الخديوي اسماعيل عندما قال: “إن مصر جزء من أوروبا”، واعتبر الرقي يكون بأخذ ما عند الأوروبيين من نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية.

ودعا إلى زيادة الاتصال بأوروبا حتى نصبح جزءاً منها لفظاً ومعنى، حقيقة وشكلاً، ونأخد الحضارة الغربية، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب. وتحدث طه حسين بعد ذلك عن التعليم، واللغات الأجنبية وواجبات المعلم، وواجبات الدولة اتجاه المعلم، والأزهر، واللغة العربية، والعلوم الدينية إلخ…

        حلت أوروبا المسألة الثقافية بعد الحرب العالمية الأولى في عدد من الدول بشكل متشابه، فلو أخذنا العراق كمثال على هذا الحل لوجدنا أنه صدر دستور في عام 1924م حدّد الحقوق والواجبات، وأرسى الانتخابات.

وتشكلت أحزاب سياسية متعددة، وصدرت صحف ومجلات، وقام اقتصاد حر مرتبط باقتصاد السوق، وانتشر تعليم المرأة، ودخلت سوق العمل الاقتصادي. والأهم من ذلك أن جيلاً كان موجوداً مؤمناً بتلك الحلول والمعالجات وعلى رأسهم كامل الجادرجي ومن ضمنهم طه الهاشمي وصالح جبر وجعفر العسكري وعلي جودة الأيوبي إلخ…

لكن هذه المعالجات للمسألة الثقافية قد أخفقت فقامت نظم استبدادية ألغت الأحزاب، وقيدت الحريات، وأمّمت الاقتصاد إلخ…، لذلك جاءت أمريكا لتعالج المسألة الثقافية من جديد، فبماذا اختلفت معالجة أمريكا للمسألة الثقافية عن معالجة أوروبا لها؟

        اختلفت في أمر واحد هو أن معالجة أوروبا للمسألة الثقافية كانت مترافقة مع القومية المصرية في مصر، ومع القومية العربية في بلاد الشام والعراق، لكن معالجة أمريكا للمسألة الثقافية تأتي مترافقة مع الوطنية بعد أن أهيل التراب على جثمان القومية العربية بعد سقوط بغداد في 9 نيسان 2003م، لكن هل ستنجح أمريكا في معالجة المسألة الثقافية وحلها؟

ذلك مرهون بأمر أساسي هو أن تنجح الوطنية في أن تكون رابطة حقيقية بين أبناء القطر الواحد، لأن فشل أوروبا في حل المسألة الثقافية مرتبط بفشل القوميتين المصرية والعربية في أن تكونا رابطتين حقيقيتين لدى أبناء الشعب في البلاد العربية.

 
اكتب تعليقاً

اترك رد