tawbahlike@hotmail.com +(00) 123-345-11

المراجعات لدى القوميين: لماذا لم تتحقق؟

مراجعة

يضع كثير من الدارسين مسؤولية النكبات التي أصابت الأمّة خلال القرن الماضي على الأشخاص من مثل: صدّام حسين وجمال عبد الناصر وأنور السادات ونوري السعيد إلخ…، لاشك أن مثل ذلك التوجّه فيه كثير من التجنّي على الحقيقة، والأرجح أن المناهج التي سيّرتهم تتحمّل المسؤولية الأكبر، ولقد كان المنهج القومي العربي هو المنهج الفاعل والمسيّر للأمّة خلال المائة سنة الماضية، لذلك فهو الذي يتحمّل مثل تلك المسؤولية في هزيمة الأمّة أمام أعدائها، وفي عدم تحقيق الاستقلال الاقتصادي، وفي فشل النهوض الحضاري إلخ…، والسؤال الآن: لماذا كانت تلك النتائج الكارثية على الأمّة؟؟؟ السبب أن الفكر القومي العربي لم يكن واقعياً ولا موضوعياً بمعنى أنه لم يحلّل الواقع ولم يدرس عناصره، وأنه احتوى على بذور عنصرية، وأنّ مضمونه الثقافي فقير، وأن علاقته بالعروبة مبهمة، وأنه مُعاد للدين الإسلامي دون مبرّر تاريخي حقيقي، وأنّ موقفه من الديمقراطية متأرجح، وأنّ علاقته بالشعب العربي علاقة إثارة عاطفته إلخ…، والوضع الأكثر غرابة أنه لم تحدث أيّة مراجعة للقضايا الإشكالية السابقة مع وجود تلك الفرصة في منعطفات تاريخية رئيسية كنكبة عام 1948م، ونكسة عام 1967م.

        لقد قامت اسرائيل وسط البلاد العربية عام 1948م، وكانت كارثة هزّت وجدان الأمّة جميعها، وانبثقت حركة القوميين العرب إثر هذه النكبة وكردّ فعل عليها، ولكنها لم تراجع بنية الفكر القومي التي تشكّلت خلال الفترة الماضية منذ مطلع القرن العشرين وبدلاً من أن تحدث مراجعة لبذرة التوجّه العنصري نجد ازدياداً في التوجّه العنصري في الفكر القومي العربي عندها، إذ اعتبرت حركة القوميّين العرب أن المرحلة الفرعونية في مصر، والمرحلة البربرية في المغرب العربي، والمرحلة الفينيقية والسريانية في بلاد الشام مراحل غير واضحة في الفكر القومي العربي.

        ثم وقعت نكسة عام 1967م والتي احتلت فيها اسرائيل الضفة الغربية والجولان وسيناء، وكان يفترض أن تحدث فيها مراجعة لبنية الفكر القومي العربي وموقفه من الدين أضخم العوامل المؤثرة في حياة الشعب العربي على مدى القرون السابقة، لكنها لم تحدث تلك المراجعة، ليس هذا فحسب بل ازداد التوجّه المعادي للدين، وتمّ اعتباره أصل التأخّر، والعامل الرئيسي في توليد الانحطاط، والعدو الأول للتقدّم نتيجة الارتباط بالمنظومة الماركسية الاشتراكية، ويمكن أن نمثّل على ذلك مرّة أخرى بحركة القوميّين العرب التي خفت توجّهها القومي بعد النكسة وزاد اعتمادها على الايديولوجية الماركسية، فعلّلت النكسة بوجود الطبقة البرجوازية في القيادة، ودعت إلى تسلّم الطبقة الكادحة القيادة، واعتبرته هو الحلّ الثوري الأمثل للنكسة.

        ثم جاءت فترة الثمانيات واعتبر بعضهم أنّ الفكر القومي العربي مرّ بتحوّلات جذرية وأنه راجع موقفه من عدّة قضايا أبرزها الدين الإسلامي، فقد التقى القوميّون بالإسلاميّين في عام 1988م في ندوة للحوار الديني القومي، ثم انبثق عن ذلك اللقاء المؤتمر القومي الإسلامي الذي عقد لقاءه الأول عام 1994م، ثم استمرت اللقاءات إلى أن كان اللقاء الأخير في عام 2003م. فهل صحيح أن الفكر القومي العربي راجع موقفه من الدين؟ الأرجح أن لقاء القوميّين بالإسلاميّين منذ مطلع التسعينات في مظلّة المؤتمر القومي الإسلامي أقرب إلى اللقاء السياسي منه إلى اللقاء المنهجي الفكري، ودليل ذلك البيانات التي صدرت عن دورات المؤتمر القومي الإسلامي حول قضايا الأمّة المتعدّدة: كقضية فلسطين، والحلول السلمية المطروحة من قبل أمريكا واسرائيل، واحتلال العراق إلخ…، ولا يمثّل ذلك اللقاء مراجعة فكرية منهجية معرفية من الدين، لأنّ القوميّين العرب مازالوا يعتبرون الأمّة العربية تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، ولم يدخلوا الدين الإسلامي ضمن عوامل تشكيلها، وإنّ أيّة مراجعة عميقة لأوضاع الفكر القومي العربي يجب أن لا تكتفي بكلام عام عن ضرورة لقاء الإسلاميّين بالقوميّين، وعن دور حضاري للدين الإسلامي في الماضي، بل يجب أن تكتشف دور الدين الإسلامي الفاعل في إنشاء وتكوين الأمّة العربية، وستتبيّن بأنّ الدين الإسلامي أحد العوامل الرئيسية التي بنت الأمّة العربية إن لم يكن أولها.

        إذن لم تحدث مراجعات رئيسية مهمّة للإشكاليّات التي واجهت الفكر القومي العربي على مدار القرن الماضي من مثل العنصرية، والعلاقة مع العروبة، والفقر الثقافي، والعلاقة مع الدين الإسلامي، والإثارة العاطفية للجماهير إلخ…، مع توفّر الظروف الداعية إلى تلك المراجعة، وهذا ما جعل الأمّة تنتقل من كارثة إلى أخرى، وستبقى احتمالات التعثّر كبيرة طالما أنه لم تتمّ هذه المراجعة الشاملة لأنّ الفكر القومي العربي مازال في مركز القيادة والتوجيه في عدد من الدول العربية وفي عدد من القطاعات الشعبية.

 
اكتب تعليقاً

اترك رد