المؤتمر القومي الاسلامي: نظرة فاحصة

print
بدأ الحوار القومي – الإسلامي عام 1989م عندما دعا مركز دراسات الوحدة العربية إلى مؤتمر تحت عنوان الحوار القومي – الديني ، ثم تكونت لجنة تحضيرية دعت إلى المؤتمر القومي – الإسلامي الأول الذي انعقد في أكتوبر/تشرين عام 1994م، وقد انتخب المؤتمر منسّقاً عاماً ولجنة إدارية ولجنة متابعة، كما أقر النظام الأساسي والنظام الداخلي، ثم انعقد مؤتمران آخران: الثاني في عام 1997م، والثالث في مطلع يناير/كانون الثاني من  عام 2000م، وقد بحثت المؤتمرات الثلاثة قضايا تتعلق بالإسلام والوحدة والعلمانية والديمقراطية الخ… وقد اتفق في مؤتمراتهم السابقة على نسيان الماضي والتوجه إلى المستقبل.

ولقد عرف العصر الحاضر نوعين من اللقاءات بين الجماعات المتجانسة أو المختلفة: الأول: اللقاء السياسي: ويكون ضمن جبهة سياسية تضم فصيلين أو أكثر لمواجهة عدو مشترك أو لتحقيق كسب سياسي، الثاني: اللقاء الفكري: وينتهي بتوحد واندماج الفريقين المتحاورين كما حدث مع بعض الأحزاب والتجمعات المتقاربة في التاريخ العربي الحديث. والسؤال الآن: على ضوء التصنيف السابق بماذا نصنف المؤتمر القومي – الإسلامي؟ هل هو لقاء سياسي أم فكري؟ كان اللقاء يمكن أن يمر دون حاجة إلى تعقيب أو تمحيص لو أنه كان لقاء سياسياً من النوع الأول، لكن بعض المؤتمرين اعتبروا أن كل الخلافات بين التيارين: الإسلامي والقومي مفتعلة، وصنّفوا المؤتمر على أنه لقاء فكري، إن تلك المواقف والأقوال هي التي تجعل التعليق ضرورياً من أجل تجلية أبعاد الموضوع، والتأكد من إمكانية تحقيق هذا اللقاء الفكري.

إن تحرير موضع النـزاع بين التيارين: الإسلامي والقومي من جهة، وتوصيفه بشكل علمي وموضوعي من جهة ثانية يساعد في تقديري على تحديد إمكانية اللقاء الفكري من عدمه، فما هي أبرز مواضع النـزاع؟ إن أبرز مواضع النـزاع بين التيارين هي:

1- دور الدين في تكوين الأمة:

القومية هي الترجمة العربية لكلمة “Nationalism” والتي كانت يجب أن تترجم “أمية” نسبة إلى الأمة، لكن تخلصاً من مدلول كلمة “الأمية” والتي تعني عدم القراءة والكتابة ترجموها بـ “القومية”، لكن نشأة “الأمة” “Nation” في الحضارة الغربية مختلفة اختلافاً كلياً عن نشأتها في الإسلام، فكيف نشأت الأمة في أوروبا؟ نشأت نتيجة عدة ظروف تاريخية واقتصادية واجتماعية أبرزها:

  • تصدع التحالف المقدس بين النظم الامبراطورية والكنيسة المسيحية، والثورة على النظم الاقطاعية الملكية وتحطيمها وإقامة جمهوريات شعبية مكانها بدءاً من الثورة الفرنسية عام 1789م.
  • تصدع الكنيسة المسيحية، ودعوة لوثر إلى إقامة أصول جديدة في التعامل مع النص المقدس، وإلى إعادة النظر في وضعية رجال الدين في الديانة المسيحية وإلى إعادة النظر في الرهبنة ذاتها، وكانت نتيجة ثورة لوثر على الكنيسة صورة جديدة من الديانة المسيحية هي: البروتستنتية في القرن السادس عشر.
  • التصادم بين الدين والعلم، والتمرد على الدين واعتباره معادياً للعقل، وربطه بالخرافة والوهم، واهتزاز الثقة بكل ما هو ديني وغيبي، وبداية الثقة بكل ما هو حسي وتجريبي.

وقد انبثقت عن تشكل الأمة في الغرب نظريتان:

الأولى    : النظرية الألمانية: تعتبر أن الأمة تقوم على عنصري اللغة والتاريخ.

الثانية    : النظرية الفرنسية: تعتبر أن الأمة تقوم على عنصر الإرادة والمشيئة.

وقد انحاز المفكرون القوميون عندنا وأبرزهم رائد الفكر القومي العربي ساطع الحصري إلى النظرية الألمانية، لذلك تراه يقول في أكثر من موضع من كتبه: إن اللغة روح الأمة وحياتها، والتاريخ ذاكرة الأمة وشعورها، وقد دون ذلك في نهاية كتابه “ما هي القومية؟” فقال تحت عنوان (كلمة ختامية في نتيجة الأبحاث): “إن الوقائع والأحداث التي وضحناها وشرحناها، والنظريات التي استعرضناها وناقشناها، في مختلف فصول هذا الكتاب، تؤدي بنا إلى الحقائق التالية:

إن أسّ الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو وحدة اللغة ووحدة التاريخ. لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع، وحدة الآلام والآمال، وحدة الثقافة. وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمة واحدة، متميزة عن الأمم الأخرى.

ولكن لا الدين، ولا الدولة، ولا الحياة الاقتصادية تدخل بين مقومات الأمة الأساسية. كما أن الرقعة الجغرافية أيضاً لا يمكن أن تعتبر من المقومات الأساسية، وإذا أردنا أن نعيّن عمل كل من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة قلنا:

اللغة تكون روح الأمة وحياتها. والتاريخ: يكون ذاكرة الأمة وشعورها”.

(ساطع الحصري، ما هي القومية، ص251).

من المؤكد أن الدين مستبعد من تشكيل الأمة في الغرب سواء أخذنا بالنظرية الألمانية نتيجة الظروف التاريخية التي مر بها الغرب والتي أبرزها التصادم بين الدين والعلم، لكنه من المؤكد أن الدين عامل رئيسي في تشكيل الأمة الإسلامية إن لم يكن العامل الوحيد، لذلك فعندما نفى الفكر القومي العربي الدين من عوامل تشكيل الأمة كان غير موضوعي وغير علمي وغير واقعي, ولم يدرس واقع الأمة المحيط به، إنما كان ينقل واقع أمة في الغرب ويتخيل أمة على منوالها، لأننا لا يمكن أن نفهم وحدة الشعوب الموجودة في العالم العربي دون الإسلام، ولا يمكن أن نفسر واقعها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي والتربوي دون العودة إلى الإسلام، ولا يمكن أن نصحح أخطاء هذا الواقع دون استنطاق مبادئ الإسلام، ولا يمكن أن نبتكر حلولاً نستشرف فيها المستقبل دون العودة إلى فتاوي الإسلام، ليس هذا فحسب، بل إن  عنصري تشكيل القومية وهما: اللغة والتاريخ، مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالإسلام، فمن الواضح أن القرآن الكريم هو الذي حفظ اللغة العربية، فقد كانت هناك عدة لهجات عربية في الجزيرة العربية قبل نزول القرآن الكريم، وكان يمكن أن تتطور كل لهجة لتكون لغة مستقلة بالتالي كان يمكن أن تنشأ عدة لغات عربية في الجزيرة العربية نتيجة وجود اللهجات المختلفة للقبائل، لكن القرآن الكريم عندما كتب بلسان قريش، جعل الديمومة والهيمنة لهذه اللهجة على غيرها من اللهجات مما أنشأ لغة عربية واحدة وقضى على إمكانية نشوء عدة لغات عربية، وقد أكد عثمان t هذا المعنى عندما قال للرجال الذين نسخوا عدة نسخ من المصحف الذي كان عند حفصة بنت عمر زوج الرسول r وأرسلها إلى مختلف الأمصار، عندما قال لهم: “إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم”. (صحيح البخاري، فضائل القرآن، الباب الثاني والثالث).

ثم إن الرعاية التي رعاها المسلمون للعربية لغة القرآن الكريم كانت إنطلاقاً من ظروف دينية، فعندما وضع أبو الأسود الدؤلي قواعد النحو، وأتم ذلك سيبيويه في مصنفه “الكتاب”، وعندما نقّط حروف العربية وشكّلها كل من أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم الليثي، وعندما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي أصول معاجم اللغة، وعندما جمع العلماء مفردات العربية ومعانيها في معاجم لغوية، إنما قاموا بكل تلك هاتيك الأعمال من أجل خدمة القرآن الكريم من أن يدخله التحريف واللحن، ومن أجل خدمة آيات القرآن الكريم أن تفهم على الوجه الصحيح. ومما يؤكد الدافع الديني وراء تلك الخدمات الجلّى التي قدمها أولئك الرجال النوابغ أن قسماً كبيراً منهم ليسوا عرباً وليس لسانهم العربية، إنما اهتموا بالعربية وأفرغوا جهودهم للمحافظة عليها وضبط ألفاظها انطلاقاً من دينهم وإسلامهم. هذا بالنسبة لعنصر اللغة، أما بالنسبة لعنصر التاريخ فقل الشيء نفسه، حيث لا يمكن أن نفهم تاريخ العالم العربي السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي والعلمي إلا بالإسلام.

الخلاصة: يرى التيار الإسلامي أن الدين الإسلامي عامل رئيسي في تكوين أمتنا إن لم يكن العامل الوحيد، في حين أن التيار القومي لا يرى ذلك بل على العكس من ذلك لا يجعل الدين عاملاً من عوامل تشكيل الأمم.

2- أدلجة العروبة:

لم تكن هناك أية مشكلة بين العروبة والإسلام خلال القرون الماضية، بل الإسلام هو الذي وعى العروبة بمعناها الثقافي وأبرز هذه المعاني: اللغة العربية كما رأينا في الفقرة السابقة، لكن المشكلة بدأت عندما أدلج القوميون العروبة بعد الحرب العالمية الأولى، وطرحوا الايديولوجيا القومية في مواجهة الدين الإسلامي، ودعوا إلى حلول الرابطة القومية مكان الرابطة الإسلامية، وطالبوا العربي بأن تكون تضحيته في سبيل القومية العربية, وبأن يكون اعتزازه بالعرب وفخره بالتاريخ العربي، وبأن يكون ولاءه للقيادات العربية إلخ…

ولما كانت هذه الايديولوجيا القومية تناقض القيم الإسلامية الراسخة في حياة الأمة كانت النتيجة أن أصبح الفكر القومي فكراً عنصرياً من جهة، ونخبوياً من جهة ثانية، وبقيت القيادات القومية محدودة العدد سواء القيادات التي قادت المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى أم بعد الحرب العالمية الثانية، ويؤكد ذلك أن حزب البعث في العراق لم يتجاوز أعضاءه الذي خططوا ونفذوا انقلاب 1968م المائة والخمسون عضواً، وأن حركة القوميين العرب التي نشأت في بداية الخمسينات لم يتجاوز أعضاؤها المائة عضواً بعد عشر سنوات من عملها المستمر في كل أنحاء العالم العربي، والأرجح أن هذه النخبوية نتجت من عدم تجاوب جماهير الأمة مع الايديولوجيا القومية، لذلك فإن العلاقة بين القيادات القومية وجماهير الأمة كانت علاقات متوترة تقوم على العنف من طرف القيادات القومية، وعلى التمرد من طرف جماهير الأمة، ويؤكد ذلك استعراض التاريخ القريب لهذه القيادات في العراق وسورية والجزائر واليمن وليبيا والسودان ومصر إلخ…، والأرجح كذلك أن تعثر النهضة وعدم تحقق أي هدف من أهدافها سواء كان ذلك الازدهار الاقتصادي أم التوحد السياسي أم النمو الثقافي أم التلاحم  الاجتماعي إلخ… جاء نتيجة تلك الأدلجة للعروبة والتي جعلت القومية العربية في تصادم ومواجهة مع القيم الراسخة في المجتمع الإسلامي في مختلف المجالات الفكرية والعقائدية والتشريعية والاجتماعية والثقافية إلخ…

يرى التيار الإسلامي إذن أن العروبة إرث ثقافي وعاه الإسلام لمدة قرون، ولا يتعارض بحال من الأحوال مع الإسلام في حين أن التيار القومي حوّل العروبة إلى ايديولوجية تحدد للعربي رؤيته لما حوله، وتؤطر علاقته بالآخرين، وتوجه أفكاره ومشاعره.

3- المرجعية التاريخية:

لقد وقعت مواجهة كبيرة بين أمتنا وبين الحضارة الغربية خلال القرنين الماضيين، فاقتسم الاستعمار الأوروبي بكل فصائل: الانكليزية والفرنسية والإيطالية معظم البلدان العربية ونهب خيراتها، ومزّق وحدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلخ…، وقد مثل التغريب التحدي الأكبر لهوية الأمة ووحدتها الثقافية، وأبرز مظاهر هذه الوحدة الثقافية: مفاهيم مستمدة من أحكام الحلال والحرام والواجب والمندوب المطروحة في كتب الشريعة الإسلامية، وتقاليد وعادات وأعراف مستندة إلى أحاديث الرسول r وسنته النبوية، وسلوكيات معتمدة على قيم الإسلام وأخلاقه وتوجيهاته، وأفكاره مأخوذة من عقائد الإسلام ومبادئه، وأشواق وأذواق مستندة إلى حديث الإسلام  عن الجنة والنار إلخ… إن هذه الوحدة هي اللبنة الرئيسية التي يجب أن يسعى علماء الأمة وقادتها إلى تدعيمها من أجل تحقيق وحدة أعمق وأشمل لأنها الحلقة الأخيرة المعبرة عن الأمة الواحدة بعد تمزق الحلقات الأخرى: السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلخ… ولكننا نجد أن الفكر القومي – على العكس من ذلك – ساهم في تدمير هذه الوحدة الثقافية عندما روّج لكل الأفكار والنظريات الغربية المتناقضة مع هوية الأمة وتراثها دون نقد أو تمحيص أو تشذيب لها في مختلف المجالات الفكرية والفنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية إلخ… ومن هذه النظريات التي روج لها خلال القرن الماضي: الوجودية، وتحرير المرأة بالمفهوم الغربي، والسيريالية، ونظرية دارون، ونظرية فرويد، ونظرية الفن للفن، والعلمانية، والاشتراكية إلخ… وكانت ذروة هذا التدمير عندما تلاحم الفكر القومي العربي مع الماركسية في الستينات مستهدفاً الدين الإسلامي ومبادئه وقيمه معتبراً إياه العقبة الرئيسية أمام النهضة. لذلك كانت نتيجة هذا التدمير للوحدة الثقافية تغريب قسم من مجتمعنا، وضياع قسم آخر منه، وانسلاخهم من هويتهم الحضارية، وربما كان السبب لهذا الخطأ الذي وقع فيه الفكر القومي هو اتخاذه الأمة الأوروبية نموذجه المحتذى ومرجعيته التاريخية، في حين أن التيار الإسلامي يعتبر الأمة الإسلامية في تاريخها الماضي هي مرجعيته التاريخية لذلك رعى كل مظاهرها الثقافية واجتهد في تعديل مواطن ضعفها وتصحيح أخطائها وانحرافاتها.

لقد حررنا فيما سبق بعض مواضع النـزاع بين التيارين: القومي والإسلامي، وهي كما رأينا تتبلور في أن التيار الإسلامي عاملاً رئيسياً في تكوين أمتنا إن لم يكن العامل الوحيد، في حين أن التيار القومي ينكر ذلك، ولا يعتبر الدين – بالأصل – عاملاً من عوامل تكوين الأمم، ويتبلور  النـزاع أيضاً في أدلجة التيار القومي للعروبة في حين أن التيار الإسلامي يعتبر العروبة إرثاً ثقافياً لا يتعارض مع الإسلام، بل إن الإسلام احتضنه ورعاه وحفظه لأكثر من عشرة قرون، ويتبلور النـزاع كذلك في اتخاذ الفكر القومي الأمة الأوروبية نموذجه المحتذى ومرجعيته التاريخية في حين أن التيار الإسلامي يعتبر الأمة الإسلامية في تارخها الطويل هي مرجعيته التاريخية.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *