ردّاً على التعقيبات: لا يقوى برنامج “صنّاع الحياة” على إحداث نهضة وإليكم الدليل

print
كَتبتُ سلسلة مقالات عن برنامج “”صنّاع الحياة”” لعمرو خالد في مجلة “”النور””، ونشرت “”النور”” بعض الردود التي وردتها على المقالات، ثم نشرتُ مقالاً في جريدة “”الحياة”” عن الموضوع ذاته بتاريخ 23/4/2005م تحت عنوان: (برنامج “”صنّاع الحياة”” للداعية التلفزيوني عمرو خالد: فِعْل نهضة أم بَيْع أوهام؟)

وقد تناقلت عدّة مواقع في شبكة الانترنت المقالات التي نشرتها في “”النور”” و””الحياة”” وعلّقَت عليها، كما أنزلت قناة “”العربية”” التلفزيونية المقال الذي نُشر في جريدة “”الحياة”” في موقعها الالكتروني، وقد وردت عشرات التعليقات عليه.

        اجتهدت أن أطلع على الردود قدر الاستطاعة، وقد تبيّن لي أنّ هناك بعض التوجّس من مراجعتي لبرنامج “”صنّاع الحياة”” لعمرو خالد، وهو مرتبط بالتوجّس من النقد والمراجعة والمناقشة بشكل عام في المناخ الثقافي الإسلامي، وهذا التوجّس غير صحّي، ويدلّ على ضعف فاعلية التفكير في الثقافة الإسلامية المعاصرة، وهو مناقض للصورة الثقافية القديمة، فقد كانت هناك مناقشات وردود وانتقادات باستمرار، فقد انتقد الشافعي أستاذه وشيخه مالك بن أنس في فصل كامل في كتاب “”الأُمّ”” أسماه “”اختلاف مالك””، وناقش فيه موقفه من حديث الآحاد، كما ردّ الشافعي أيضاً على أبي حنيفة من خلال تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، وقد كانت السجالات والمحاورات والنقاشات والردود والانتقادات والنقاشات مستمرّة على مدار التاريخ الماضي بين المحدّثين والمفسّرين والمؤرّخين واللُّغويين والنحاة والفِرَق، وبين مدرستي البصرة والكوفة في النحو واللّغة، وبين مدرسة أهل الرأي وأهل الحديث في إصدار الفتوى إلخ…، وقد أَثْرَت كل تلك المحاورات والردود والانتقادات الحياة الثقافية الإسلامية، وجعلتها حيّة بكل معنى الكلمة، ودفعتها إلى الأمام، وجدّدت في كثير من المسائل والآراء والأفكار.

        ومن الواضح بأنني عندما توجّهت لمراجعة برنامج “”صنّاع الحياة”” عند عمرو خالد لم أتعرّض لشخصه ولا لهيئته ولا لعائلته إلخ…، إنما تعرّضت لمضمون البرنامج، وكنت باستمرار أحرص على تقديم وجهة نظره، ثم أناقشها علميّاً وشرعيّاً، وأحرص على أن يكون الإسلام هو المرجعيّة التي أرجع إليها لمعرفة الصواب والخطأ في أقوال عمرو خالد وتقديراته وأحكامه، وكنت مقتدياً ومتابعاً لعلمائنا الأوائل في حواراتهم ومناقشاتهم واستدراكاتهم ونقدهم لبعضهم بعضاً.

        وقد ذكر بعض المعقّبين على مقالاتي بأنّ نيّة عمرو خالد هي نشر الخير وحلّ مشاكل الأمّة، وهو قد قصد الإصلاح، وهذه النيّة وحدها تكفي لقيامه بهذا العمل، وأردّ على هذا الكلام فأقول: بأنّ النيّة الخيّرة وحدها لا تكفي للقيام بالعمل، بل كما قال القاضي عياض لابدّ للعمل من شرطين: “”الأول أن يكون خالصاً، والثاني أن يكون صواباً””، والإخلاص يعني انتفاء الشرك في النيّة والقصد، والصواب يعني أن يكون موافقاً للسنّة في العمل والتنفيذ، هذا في مجال الأعمال الشرعية والعبادية، وفي حالة حديثنا عن برنامج “”صنّاع الحياة”” وعمرو خالد فإنّ النيّة الخالصة لا تكفي وحدها للقيام بالعمل، فلابدّ له من أن تكون عدّته العلمية مستوفاة أيضاً. ولأضرب مثالاً يوضّح ذلك، فلنفرض شخصاً مسلماً صالحاً يحب عمل الخير والنفع للمسلمين، ونيّته خالصة لله في أيّ عمل يعمله، وأراد أن يكون جرّاحاً للقلب ومن كبار الجرّاحين في العالم ليرفع سمعة المسلمين، وينفع المسلمين وتعمّ إفادته لهم، فلا يكفي توفّر هذه النيّة عنده لكي يعطيه أيّ مسلم جسده ليحدث جراحة معيّنة في قلبه، فلابدّ من أن يردف النيّة السابقة بدراسة علمية في إحدى الجامعات الراقية، ثم يتبع ذلك بتخصص في أحد المستشفيات المشهورة، ثم يكمل ذلك بإثبات تمكّنه العلمي والعملي من خلال مؤتمرات وعملّيات يجريها أمام علماء متخصّصين تؤكّد جدارته بصورة حقيقية، وبهذا يكون قد امتلك هذا المسلم شرطي العمل الصحيح وهما: النيّة والتأهيل الكامل لإجراء عمليّة جراحية، وبهذه الصورة يمكنه أن ينفع المسلمين، ويمكن لأيّ مسلم أن يُسلّمه قلبه.

        وبالعودة إلى الحديث عن برنامج “”صنّاع الحياة”” وعمرو خالد، فأنا لم أتناول نيّته ولم أتوقّف عندها في لحظة من اللحظات، لأنّ هذا غيب من جهة، وأنا أحسن الظنّ به فأفترض حسن النيّة عنده فيما يعمل، لكنّ ما استوقفني هو كيفيّة تناوله للأمراض التي تحدّث عنها، والعلاج الذي رسمه لأمراض المسلم المعاصر: السلبيّة، وعدم الجدّية، وعدم الاتقان، وضعف الإرادة، وإضاعة الوقت، وضعف الإبداع إلخ…، فقد أوضحت وقدّمت الدليل على ذلك من خلال متابعة دقيقة لحلقات البرنامج أنه في غالب الأحيان لا يتوصّل إلى الأسباب الحقيقية للمرض، ولا يتوصّل إلى الحلول المناسبة لمعالجة المرض، مما جعلني أحكم في النهاية أنه لن يحقّق نهضة لأنه لا يملك الحصيلة العلمية والمعرفية والشرعية التي تجعله ينجح في علاج أمراض المسلم المعاصر وهي الخطوة الأولى التي يجب أن ينجح فيها أيّ مواجه لشؤون النهضة.

        لم يتناول التعقيبان اللذان نشرتهما “”النور”” على مقالاتي شيئاً مما كتبت، فالتعقيب الأول للأخت ابتهال قدور جاء خالياً من مناقشة أيّة فكرة طرحتها، ما عدا الإشارة إلى بداية مقالي الأول وخاتمته، ومع أني ناقشت في ذلك المقال خُلُقَيْ السلبية وعدم الجدّية، وبيّنت القصور في تحديد أسبابهما وفي كيفيّة معالجتهما عند عمرو خالد وختمت الموضوع بأنه لم يعالج الموضوع لأنّ النهضة هي بناء الإنسان بناء صحيحاً وتخليصه من أمراضه وهو لم يصب في ذلك، وليست النهضة جمع الثياب المستعملة فهذه أعمال خيرية شهدنا الكثير منها في العقود السابقة، ومع ذلك لم يقل أحد ممن جمع ثياباً، أو عمل أي خير في أفريقيا وآسيا، من مثل: حفر الآبار، وإنشاء المستشفيات، وكفالة الأيتام، وإنشاء المدارس إلخ… أنه سيقيم نهضة بل كان واضحاً أنه يقصد عملاً خيريّاً معيّناً: يطبّب فيه مريضاً، أو يسقي عطشاً، أو يشبع جائعاً، أو يعلّم جاهلاً إلخ…، وأنا لا أقلّل من قيمة هذه الأعمال الخيريّة، بل هي أعمال فيها نفع عظيم وأجر كبير، لكنّ هذا شيء والنهضة شيء آخر. أمّا التعقيب الثاني فقد كان للأخ محمد عبد الموجود أبو خوات فقد عقّب على حديثي عن أزمة الإبداع عند المسلم المعاصر، وأضاف أسباباً معاصرة ترتبط بنظم الحكم والتعليم وعدم وجود ميزانيّات للإبداع إلخ…، ومع اتفاقي مع الأخ المعقّب فيما ذهب إليه، فالحقيقة أنني في حديثي عن معالجة عمرو خالد للنهضة تعرّضت للأسباب التي في مقدوره أن يعالجها وهي الجانب العلمي والشرعي، أمّا ما يتعلّق بميزانيّات التعليم ومناهج التعليم ودور الحكومات في حلّ مشاكل الإبداع فهذا ما ابتعدت عن التعرّض له، لأنّ ذلك ليس في نطاق قدرات عمرو خالد أصلاً.

        والمطلوب ممن يتصدّى لإحداث النهضة في الأمّة عدّة أمور، أبرزها: أن يمتلك رصيداً شرعيّاً وعلميّاً ومعرفيّاً واسعاً وعميقاً في مجالات متعدّدة منها: مجال تحديد العوامل التاريخية التي أضعفت الأمّة، ومجال تحديد أيّ العوامل أشدّ تأثيراً: العسكري أم الاقتصادي أم السياسي أم الاجتماعي إلخ…، ومجال تحديد المنعطفات الرئيسية التي مرّت بها الأمّة بدءاً من الخلافة الراشدة وانتهاء بالدولة السلطانية وأسباب ذلك، ومجال دراسة العلوم الإسلامية وتطوّراتها والعناصر التي دخلتها كمذهب الذرّة والمنطق والفلسفة وتأثيراتها على المسلم في التاريخ الماضي، كما يتطلّب إحداث نهضة رصيداً علميّاً في مجال دراسة الفِرَق الإسلامية ونشأتها، وتحديد دورها في إضعاف كيان الأمّة، ويقتضي إحداث نهضة دراسة العقل الإسلامي وتطوّراته والعوامل التي أضعفت فاعليته، ودراسة البناء النفسي للمسلم على مدار التاريخ ودراسة العوامل التي أفقرته، كما يستدعي إحداث نهضة دراسة تجربة الحضارة الغربية التي تشكّل تحدّياً رئيسياً لأمّتنا، يستدعي ذلك دراسة نشأتها، وتطوّراتها، وعناصر قوّتها، ونقاط التصادم بينها وبين حضارتنا، وكيفيّة الاستفادة منها إلخ…، كما يستدعي إحداث نهضة دراسة التجارب المعاصرة وأسباب فشلها كتجربة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر والتجربة القوميّة في القرن العشرين ومقارنتهما بالتجربة اليابانية والصينية إلخ…، هذا بعض ما يجب أن يمتلكه من يتصدّى لإحداث نهضة في الأمّة منذ البداية، فهل يمتلك عمرو خالد هذا الرصيد؟ لا أظنّه يمتلك على ضوء المراجعة المفصّلة لحلقات برنامج “”صنّاع الحياة””، والتي قدّمتها في مقالات سابقة.

وقد تناقلت عدّة مواقع في شبكة الانترنت المقالات التي نشرتها في “”النور”” و””الحياة”” وعلّقَت عليها، كما أنزلت قناة “”العربية”” التلفزيونية المقال الذي نُشر في جريدة “”الحياة”” في موقعها الالكتروني، وقد وردت عشرات التعليقات عليه.

        اجتهدت أن أطلع على الردود قدر الاستطاعة، وقد تبيّن لي أنّ هناك بعض التوجّس من مراجعتي لبرنامج “”صنّاع الحياة”” لعمرو خالد، وهو مرتبط بالتوجّس من النقد والمراجعة والمناقشة بشكل عام في المناخ الثقافي الإسلامي، وهذا التوجّس غير صحّي، ويدلّ على ضعف فاعلية التفكير في الثقافة الإسلامية المعاصرة، وهو مناقض للصورة الثقافية القديمة، فقد كانت هناك مناقشات وردود وانتقادات باستمرار، فقد انتقد الشافعي أستاذه وشيخه مالك بن أنس في فصل كامل في كتاب “”الأُمّ”” أسماه “”اختلاف مالك””، وناقش فيه موقفه من حديث الآحاد، كما ردّ الشافعي أيضاً على أبي حنيفة من خلال تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، وقد كانت السجالات والمحاورات والنقاشات والردود والانتقادات والنقاشات مستمرّة على مدار التاريخ الماضي بين المحدّثين والمفسّرين والمؤرّخين واللُّغويين والنحاة والفِرَق، وبين مدرستي البصرة والكوفة في النحو واللّغة، وبين مدرسة أهل الرأي وأهل الحديث في إصدار الفتوى إلخ…، وقد أَثْرَت كل تلك المحاورات والردود والانتقادات الحياة الثقافية الإسلامية، وجعلتها حيّة بكل معنى الكلمة، ودفعتها إلى الأمام، وجدّدت في كثير من المسائل والآراء والأفكار.

        ومن الواضح بأنني عندما توجّهت لمراجعة برنامج “”صنّاع الحياة”” عند عمرو خالد لم أتعرّض لشخصه ولا لهيئته ولا لعائلته إلخ…، إنما تعرّضت لمضمون البرنامج، وكنت باستمرار أحرص على تقديم وجهة نظره، ثم أناقشها علميّاً وشرعيّاً، وأحرص على أن يكون الإسلام هو المرجعيّة التي أرجع إليها لمعرفة الصواب والخطأ في أقوال عمرو خالد وتقديراته وأحكامه، وكنت مقتدياً ومتابعاً لعلمائنا الأوائل في حواراتهم ومناقشاتهم واستدراكاتهم ونقدهم لبعضهم بعضاً.

        وقد ذكر بعض المعقّبين على مقالاتي بأنّ نيّة عمرو خالد هي نشر الخير وحلّ مشاكل الأمّة، وهو قد قصد الإصلاح، وهذه النيّة وحدها تكفي لقيامه بهذا العمل، وأردّ على هذا الكلام فأقول: بأنّ النيّة الخيّرة وحدها لا تكفي للقيام بالعمل، بل كما قال القاضي عياض لابدّ للعمل من شرطين: “”الأول أن يكون خالصاً، والثاني أن يكون صواباً””، والإخلاص يعني انتفاء الشرك في النيّة والقصد، والصواب يعني أن يكون موافقاً للسنّة في العمل والتنفيذ، هذا في مجال الأعمال الشرعية والعبادية، وفي حالة حديثنا عن برنامج “”صنّاع الحياة”” وعمرو خالد فإنّ النيّة الخالصة لا تكفي وحدها للقيام بالعمل، فلابدّ له من أن تكون عدّته العلمية مستوفاة أيضاً. ولأضرب مثالاً يوضّح ذلك، فلنفرض شخصاً مسلماً صالحاً يحب عمل الخير والنفع للمسلمين، ونيّته خالصة لله في أيّ عمل يعمله، وأراد أن يكون جرّاحاً للقلب ومن كبار الجرّاحين في العالم ليرفع سمعة المسلمين، وينفع المسلمين وتعمّ إفادته لهم، فلا يكفي توفّر هذه النيّة عنده لكي يعطيه أيّ مسلم جسده ليحدث جراحة معيّنة في قلبه، فلابدّ من أن يردف النيّة السابقة بدراسة علمية في إحدى الجامعات الراقية، ثم يتبع ذلك بتخصص في أحد المستشفيات المشهورة، ثم يكمل ذلك بإثبات تمكّنه العلمي والعملي من خلال مؤتمرات وعملّيات يجريها أمام علماء متخصّصين تؤكّد جدارته بصورة حقيقية، وبهذا يكون قد امتلك هذا المسلم شرطي العمل الصحيح وهما: النيّة والتأهيل الكامل لإجراء عمليّة جراحية، وبهذه الصورة يمكنه أن ينفع المسلمين، ويمكن لأيّ مسلم أن يُسلّمه قلبه.

        وبالعودة إلى الحديث عن برنامج “”صنّاع الحياة”” وعمرو خالد، فأنا لم أتناول نيّته ولم أتوقّف عندها في لحظة من اللحظات، لأنّ هذا غيب من جهة، وأنا أحسن الظنّ به فأفترض حسن النيّة عنده فيما يعمل، لكنّ ما استوقفني هو كيفيّة تناوله للأمراض التي تحدّث عنها، والعلاج الذي رسمه لأمراض المسلم المعاصر: السلبيّة، وعدم الجدّية، وعدم الاتقان، وضعف الإرادة، وإضاعة الوقت، وضعف الإبداع إلخ…، فقد أوضحت وقدّمت الدليل على ذلك من خلال متابعة دقيقة لحلقات البرنامج أنه في غالب الأحيان لا يتوصّل إلى الأسباب الحقيقية للمرض، ولا يتوصّل إلى الحلول المناسبة لمعالجة المرض، مما جعلني أحكم في النهاية أنه لن يحقّق نهضة لأنه لا يملك الحصيلة العلمية والمعرفية والشرعية التي تجعله ينجح في علاج أمراض المسلم المعاصر وهي الخطوة الأولى التي يجب أن ينجح فيها أيّ مواجه لشؤون النهضة.

        لم يتناول التعقيبان اللذان نشرتهما “”النور”” على مقالاتي شيئاً مما كتبت، فالتعقيب الأول للأخت ابتهال قدور جاء خالياً من مناقشة أيّة فكرة طرحتها، ما عدا الإشارة إلى بداية مقالي الأول وخاتمته، ومع أني ناقشت في ذلك المقال خُلُقَيْ السلبية وعدم الجدّية، وبيّنت القصور في تحديد أسبابهما وفي كيفيّة معالجتهما عند عمرو خالد وختمت الموضوع بأنه لم يعالج الموضوع لأنّ النهضة هي بناء الإنسان بناء صحيحاً وتخليصه من أمراضه وهو لم يصب في ذلك، وليست النهضة جمع الثياب المستعملة فهذه أعمال خيرية شهدنا الكثير منها في العقود السابقة، ومع ذلك لم يقل أحد ممن جمع ثياباً، أو عمل أي خير في أفريقيا وآسيا، من مثل: حفر الآبار، وإنشاء المستشفيات، وكفالة الأيتام، وإنشاء المدارس إلخ… أنه سيقيم نهضة بل كان واضحاً أنه يقصد عملاً خيريّاً معيّناً: يطبّب فيه مريضاً، أو يسقي عطشاً، أو يشبع جائعاً، أو يعلّم جاهلاً إلخ…، وأنا لا أقلّل من قيمة هذه الأعمال الخيريّة، بل هي أعمال فيها نفع عظيم وأجر كبير، لكنّ هذا شيء والنهضة شيء آخر. أمّا التعقيب الثاني فقد كان للأخ محمد عبد الموجود أبو خوات فقد عقّب على حديثي عن أزمة الإبداع عند المسلم المعاصر، وأضاف أسباباً معاصرة ترتبط بنظم الحكم والتعليم وعدم وجود ميزانيّات للإبداع إلخ…، ومع اتفاقي مع الأخ المعقّب فيما ذهب إليه، فالحقيقة أنني في حديثي عن معالجة عمرو خالد للنهضة تعرّضت للأسباب التي في مقدوره أن يعالجها وهي الجانب العلمي والشرعي، أمّا ما يتعلّق بميزانيّات التعليم ومناهج التعليم ودور الحكومات في حلّ مشاكل الإبداع فهذا ما ابتعدت عن التعرّض له، لأنّ ذلك ليس في نطاق قدرات عمرو خالد أصلاً.

        والمطلوب ممن يتصدّى لإحداث النهضة في الأمّة عدّة أمور، أبرزها: أن يمتلك رصيداً شرعيّاً وعلميّاً ومعرفيّاً واسعاً وعميقاً في مجالات متعدّدة منها: مجال تحديد العوامل التاريخية التي أضعفت الأمّة، ومجال تحديد أيّ العوامل أشدّ تأثيراً: العسكري أم الاقتصادي أم السياسي أم الاجتماعي إلخ…، ومجال تحديد المنعطفات الرئيسية التي مرّت بها الأمّة بدءاً من الخلافة الراشدة وانتهاء بالدولة السلطانية وأسباب ذلك، ومجال دراسة العلوم الإسلامية وتطوّراتها والعناصر التي دخلتها كمذهب الذرّة والمنطق والفلسفة وتأثيراتها على المسلم في التاريخ الماضي، كما يتطلّب إحداث نهضة رصيداً علميّاً في مجال دراسة الفِرَق الإسلامية ونشأتها، وتحديد دورها في إضعاف كيان الأمّة، ويقتضي إحداث نهضة دراسة العقل الإسلامي وتطوّراته والعوامل التي أضعفت فاعليته، ودراسة البناء النفسي للمسلم على مدار التاريخ ودراسة العوامل التي أفقرته، كما يستدعي إحداث نهضة دراسة تجربة الحضارة الغربية التي تشكّل تحدّياً رئيسياً لأمّتنا، يستدعي ذلك دراسة نشأتها، وتطوّراتها، وعناصر قوّتها، ونقاط التصادم بينها وبين حضارتنا، وكيفيّة الاستفادة منها إلخ…، كما يستدعي إحداث نهضة دراسة التجارب المعاصرة وأسباب فشلها كتجربة محمد علي باشا في القرن التاسع عشر والتجربة القوميّة في القرن العشرين ومقارنتهما بالتجربة اليابانية والصينية إلخ…، هذا بعض ما يجب أن يمتلكه من يتصدّى لإحداث نهضة في الأمّة منذ البداية، فهل يمتلك عمرو خالد هذا الرصيد؟ لا أظنّه يمتلك على ضوء المراجعة المفصّلة لحلقات برنامج “”صنّاع الحياة””، والتي قدّمتها في مقالات سابقة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *