قراءة في كتاب “مدخل إلى القرآن الكريم” للدكتور الجابري

print
طرح الدكتور محمد عابد الجابري عدداً من الآراء فيما يتعلق بالتراث، فكتب عدداً من الكتب عن العقل العربي، وعن مقدمة ابن خلدون، وحقق جميع كتب ابن رشد وكتب عنها  دراسات، وآخر شيء ألفه كان عن القرآن الكريم، واشتمل أربعة كتب، الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول في التعريف بالقرآن)، والثلاثة الأخرى سماها (فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول)؛ وقد طرح أشياء متعددة في هذه الكتب الأربعة حول أمور متعددة في العقيدة والتشريع والسيرة والسياسة إلخ.. وقد جاء كثير منها في منتهى الخطورة، وتكونت خطورتها من أن صاحبها مطلع على التراث بشكل واسع من جهة، ومطلع كذلك على علوم الحضارة الغربية وفلسفتها بشكل تفصيلي من جهة ثانية، ومستهدف لتغيير أوضاع الأمة باتجاه النموذج الغربي من جهة ثالثة.

          وللحق فإن استعراض الأفكار الخاطئة التي طرحها “”الجابري”” والرد عليها يقتضي عدة مقالات، وسأجتهد أن أرد على بعضها في هذا المقال، وهي الأفكار الأولى التي أوردها الجابري في الفصلين الأوليين من الكتاب الأول: (مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء في التعريف بالقرآن الكريم).

تحدث الجابري في ذانك الفصلين عن الأوضاع التي كانت موجودة لحظة نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وأشار الجابري إلى انتشار التوحيد في مختلف المناطق المحيطة بالجزيرة العربية: مصر، بلاد الشام، العراق، إلخ..، وأشار إلى عدة فرق انشقت عن المسيحية واعتبرت المسيح عليه السلام إنساناً وليس إلهاً كما ادعت المسيحية الرسمية، ومن هذه الفرق فرقة “”الأبيونية””، ونقل الجابري: “”إنهم كانوا يحفظون السبت اليهودي، والناموس الموسوي حفظاً وفياً، وينادون بأن الختان ضروري للخلاص، وأن الناموس القديم فرض على جميع المسيحيين””.

          ونقل الجابري من مصادر في موسوعة تاريخ أقباط مصر، فقال: “”أصبح الأبيونيون جماعة كبيرة العدد انتشروا أصلاً في منطقة بابل وفي فلسطين والأقطار المجاورة وامتدوا أيضاً إلى روما وإلى جميع مراكز الشتات اليهودي”” ونقل عنهم أيضاً: “”إنهم –أي الأبيونيون- اتهموا بولس الرسول –صاحب نظرية التثليث- باتهامات مرة وقاسية، ووصفوه بأنه متمرد ومارق عن الناموس، وأنكروا سلطانه ورفضوا رسائله، واكتفوا باستعمال النص العبراني لإنجيل متّى ولا يعيرون الأناجيل الأخرى أهمية تذكر””. (ص43، مدخل إلى القرآن الكريم)

          ورجّح الجابري أن تكون فرقة (الأبيونيين) هذه هي الفرقة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: “”لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا الذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون”” (المائدة، 583) وهي الفرقة التي أشار القرآن الكريم إليها في سورة الصف حيث قال تعالى: “”يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة…”” (الصف، 14)

          وقد أشار الجابري إلى فرقة أخرى ثارت على التثليث هي (الآريوسية) نسبة إلى آريوس المولود 270م، وأعلن ثورته على القول بألوهية المسيح عام 1323م، مؤكداً بشريته، مقرراً أن الآب وحده هو الإله، ومن هنا وصف أتباعه “”الموحدين””. وقد أحدثت آراء آريوس الجريئة أزمة خطيرة على الصعيدين الديني والسياسي في العالم المسيحي، وقد انقسم الناس بين مؤيدين ومعارضين، فتولدت عن ذلك أزمة استمرت أكثر من سنتين (318-320) تعرض خلالها كيان الامبراطورية الرومانية لخطر الانهيار المحقق، ومن أجل وضع حد لهذه الأزمة تدخل الامبراطور “”قسطنطين العظيم”” إلى جانب آريوس أولا، ثم ما لبث أن عاد فوقف إلى جانب الكنيسة ورجالها، ودعا إلى عقد مجمع مسكوني في نيقية (عام325م) لإيجاد حل لهذه المسألة، وقد قرر هذا المجمع طرد آريوس وأصحابه على أساس أنهم فرقة ضالة مبتدعة، كما وضع ذلك المجمع “”قانون الإيمان”” الذي كرس عقيدة التثليث. لكن أتباع آريوس استمروا في نشر مذهبهم التوحيدي في أنحاء كثيرة من الامبراطورية البيزنطية: في سورية وفلسطين، والأردن والعراق، واليمن، وفي جهات مختلفة من حوض البحر الأبيض المتوسط وبالخصوص شمال أفريقية وأسبانيا.

          ثم عرض جانباً آخر من الوضع في الجزيرة العربية، وتحدث عن ظاهرتين:

الأولى: تبشير بعض الرهبان من اليهود والنصارى بقرب ظهور نبي جديد، ومن الأمثلة على ذلك الراهب بحيرى في بصرى الذي وردت قصته في سيرة ابن إسحاق، وحديث أحبار اليهود عن ظهور نبي جديد في المدينة، وتعاليهم على القبائل العربية، وتفاخرهم بأنه سيكون من بني إسرائيل.

الثانية: الرحلة والسياحة للبحث عن الدين الحق، ومن المثال على ذلك: قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، ومنهم أيضاً أربعة من أهل قريش نبذوا عبادة الأصنام وطلبوا دين جدهم إبراهيم عليه السلام، وتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم، وهم: ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث.

          وتحدث الجابري عن جانب آخر من الوضع في الجزيرة وهي ظاهرة الحنفاء ومنهم: أمية بن أبي الصلت الثقفي من الطائف، وخالد بن سنان العبسي. ثم تحدث عن شرقي الجزيرة العربية، فذكر أن هناك رهباناً ظهروا من أمثال رئاب بن البراء الشتي، وريان بن زيد بن عمرو، وقس بن ساعدة الإيادي.

          ثم استشف الجابري من رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم لهرقل امبراطور الدولة الرومانية، وللمقوقس حاكم مصر، أن هناك طائفة موحدة في مملكتيهما بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار في رسالته إلى هرقل بأن عليه إثم “”الأريسيين””، وقد اعتبر الجابري أن هذه العبارة الغامضة تعني أن هناك طائفة من الموحدين أتباع “”آريوس”” الذي دعا إلى التوحيد ورفض التثليث الذي أقره مجمع نيقية، مع أن معظم المفسرين الذين فسروا هذه العبارة مالوا إلى تفسيرها بكلمة “”الفلاحين”” أو “”الأكارين””.

ما الذي نستفيده من عرض الجابري الطويل عن “”الموحدين”” في الجزيرة العربية وخارجها؟ وما المسكوت عنه في حديثه الطويل ذلك؟ أبرز ما يمكن أن يقال عن هذا العرض الطويل إن التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو انعكاس ومرآة للتوحيد الذي كانت تعج به الجزيرة العربية وما حولها، وهو ليس جديداً كما يتوهم الدارسون، وقد انضمت كل هذه الفئات والطوائف إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما دعا إلى التوحيد لأنها وجدت عنده ما كانت متمسكة به، وما كان وجودها قائماً عليه، وما كانت حياتها مرتبطة به.

وهذا الكلام قريب من كلام طه حسين في مطلع القرن العشرين “”في الشعر الجاهلي”” عن أن القرآن الكريم أصدق تصويراً لواقع الجزيرة العربية من الشعر الجاهلي، وقريب من قول المستشرق جب في كتاب “”المذهب المحمدي”” بأن القرآن الكريم هو انعكاس لبيئة الجزيرة العربية في عقل محمد صلى الله عليه وسلم، والفرق بين كلام الجابري وبين كلام طه حسين والمستشرق جب في الكم، فقد تحدث الجابري عن قضية واحدة هي قضية “”التوحيد”” في القرآن الكريم، لكن طه حسين وجب تحدثا عن القرآن الكريم كله.

          وهذا التصوير الذي اجتهد الجابري في بلورته عن المنطقة، وتعسف من أجله في تفسير بعض آيات القرآن الكريم ليس صحيحاً ولا سليماً، واستند فيه على أحداث فردية، وسنذكر خمسة أدلة على خطئه في هذا التصوير:

الدليل الأول: يناقض تصوير الجابري لوضع البشرية غداة بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم  تصوير الرسول لهذا الوضع، حيث ورد في عدة أحاديث منها ما حدثنا به عياض بن حمار المجاشعي  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: “”ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء. تقرؤه نائماً ويقظان، إلخ..”” (صحيح مسلم)، وهذا الحديث يبين فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حال البشرية غداة بعثته، ويبين فيه أن الله نظر إلى أهل الأرض غداة بعثته فمقتهم، والمقت أشد الغضب، وجاء مقت الله لأهل الأرض لأنهم انحرفوا عن جادة الصواب في معرفته وعبادته سبحانه وتعالى، ولا شك أن تصوير الرسول الذي لا ينطق عن الهوى أشد دقة من كلام الجابري وغيره في تصوير حال أهل الأرض غداة بعثته عليه الصلاة والسلام.

الدليل الثاني: يناقض تصوير الجابري وضع البشرية غداة بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم تصوير علماء الأمة على مدار  التاريخ، وسنأخذ مثالاً واحداً على ذلك هو ابن القيم الجوزية.

فقد وضح ابن القيم في كتاب (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى) في وضع البشرية قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: “”ولما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كان أهل الأرض صنفين: أهل الكتاب، وزنادقة لا كتاب لهم. وكان أهل الكتاب أفضل الصنفين، وهم نوعان: مغضوب عليهم، وضالون.

فالأمة الغضبية هم “”اليهود””، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء، وأكلة السحت والربا والزنا، أخبث الناس طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، إلخ..

والصنف الثاني: “”المثلثة””، أمة الضلال، وعبّاد الصليب الذين سبوا الله الخالق مسبّة ما سبّه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي (لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) إلخ..

          فهذا حال من له كتاب، وأما من لا كتاب له، فهو بين عابد أوثان، وعابد نيران، وعابد شيطان، وصابئ حيران، يجمعهم الشرك، وتكذيب الرسل، وتعطيل الشرائع، وإنكار المعاد إلخ.. وأمة المجوس منهم، تستفرش الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات إلخ..

          وأما زنادقة الصابئة وملاحدة الفلاسفة فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه إلخ..

وبالجملة: “”فدين الحنيفية الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها أخفى من السها تحت السحاب”” “”وقد نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب””. (فصل الأمم قبل البعثة، ص19)

الدليل الثالث: ظن الجابري أن التوحيد هو: نفي التعدد، وأنه الإقرار بإله واحد فقط، وليس من شك بأن نفي التعدد عن ذات الله، والإقرار بوحدانيته جانب من التوحيد، لكن هذا حقيقة واحدة من حقائق التوحيد الذي دعا إليه القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، فالتوحيد يشمل عشرات الحقائق الأخرى، منها ما يتعلق بذات الله وصفاته وأسمائه إلخ.. ومنها ما يتعلق بعبادته وكيفية دعائه وأوقاتها، وأفعاله وما الذي يحبه وما الذي لا يحبه إلخ.. ومنها ما يتعلق بصورة علاقاته بمخلوقاته إلخ.. وهناك أمور تتعلق بالألوهية والربوبية وبالشرك وأنواعه وأصنافه إلخ..، وليس التوحيد فقط هو نفي التعدد عن الله تعالى، فأين هذا التوحيد الذي عرفته كتب العقائد من التوحيد الذي تحدث عنه الجابري؟؟!!

الدليل الرابع: لو كان الوضع كما صوره الجابري وأن التوحيد بخير، وأن الموحدين يعج بهم المكان والزمان، لما كانت هناك حاجة إلى إرسال رسول، فقد بين المفسرون في أكثر من موضع من تفسير القرآن الكريم وتاريخ الأنبياء، أن الله كان يبعث رسولاً وينزل كتاباً عندما يعم الكفر، ويستشري الضلال، ويتعمق الشرك فيبعث الله رسولاً لكي يعم النور والهدى، وهذا من رحمته –تعالى- بعباده، ومن المعلوم أن الله بعث عيسى عليه السلام عندما استحكم الضلال في بني إسرائيل، وهو ما ينطبق على الظروف التي أحاطت بابتعاث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فبعثه عندما استحكم الكفر والشرك والضلال في الأرض.

الدليل الخامس: ذكر الجابري أنه حدد لنفسه هدفاً منذ أزيد من ربع قرن عندما بدأ دراساته في الموروث الثقافي، أنه سيجعل المقروء معاصراً لنفسه ومعاصراً لنا في الوقت نفسه، هذا في مقدمة كتاب (نحن والتراث)، وهو قد وضح هذا الكلام في مقدمة كتاب (مدخل إلى القرآن الكريم)، فماذا كانت نتائج هذا الهدف في جعل المقروء معاصراً لنفسه، ومعاصراً لنا في الوقت نفسه؟ كانت النتيجة الأولى لجعل القرآن الكريم معاصراً لنفسه هي الخلاصات التي توصل إليها، والتي أشرنا إليها في السابق وهي اعتباره أن التوحيد كان منتشراً في الجزيرة العربية وما حولها وفي الدولة الرومانية وفي مصر عند الأقباط وفي دولة الحبشة إلخ..، والتي تؤدي إلى أن القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كان انعكاساً للبيئة المحيطة به، وأشرنا إلى أخطاء هذا القول في سطور سابقة.

أما نتيجة جعل القرآن الكريم معاصراً لنا فهو ما جاء في نهاية الفصلين الأولين من الكتاب وهي دعوته إلى قيام مصالحة تاريخية بين حفدة إبراهيم الخليل عليه السلام، كما تمت تلك المصالحة في السابق والتي يتصور فيها الجابري أن  ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً هو تجميع للموحدين المعاصرين له، وهي الآن يمكن أن تكون كذلك، لكن نقول له: إن دور الرسول صلى الله عليه وسلم في السابق لم يكن دوره تجميعاً لموحدين موجودين بل كان بناء لموحدين على أسس إلهية جديدة لم تكن عندهم، وكان تأسيساً لتوحيد جديد في عشرات المجالات، لذلك يجب أن تكون هذه المصالحة بالصورة التي أسس لها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي العودة إلى ما دعا إليه إبراهيم الخليل وهو توحيد الله، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى كل من هرقل والمقوقس، ناقلاً قول الله تعالى: “”قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”” (آل عمران، 64)، لذلك فإننا نقول للجابري وأمثاله: إن تجميع أحفاد إبراهيم أمر طيب، لكن هذا التجميع يجب أن يتم على التوحيد الذي دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فإنه لا قيمة له.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *