«أبو القعقاع» و«فتح الإسلام» والمخابرات السورية

print

اثر تفجر احداث مخيم نهر البارد في لبنان والمواجهات العنيفة بين الجيش اللبناني و«فتح الاسلام»، كثر الحديث عن هذه الجماعة واحتلت اخبارها كل النشرات الاخبارية التلفزيونية والصحف، تسأل وتحلل من وارئها ومن أسسها ومن يمولها. وسأشرح هنا ما أعرفه شخصياً عن هذه القضايا: – بعد احتلال القوات الأميركية للعراق احتلالاً عسكرياً من دون تفويض من الأمم المتحدة واشاعتها بأنها ستبني ديموقراطية تكون مثالاً للمنطقة يجب ان تحتذي به الدول الاخرى وأنها ستستمر بعملية نشر الديموقراطية ضمن مخطط الشرق الاوسط الكبير مما يعني أنها بعد انتهاء ترتيب الأوضاع بالعراق ستنتقل لسورية، وهو ما دفع النظام السوري للتهيؤ ليكون طرفاً في عملية تخريب الجهد الاميركي في العراق من أجل تأخير عملية ما اسموه بالدمقرطة هناك، من اجل اغراق القوات العسكرية الأميركية في مستنقع من المعارك والتفجيرات كي تزداد خسائرها البشرية في شكل يمنع الانتقال للمرحلة الثانية وهي الانتقال لدمقرطة سورية.

لذلك اتخذت القيادة الامنية وعلى رأسها بشار الاسد (الاجهزة الأمنية لا ترفع تقارير ولا تتبع لأحد سوى شخص رئيس الجمهورية حصرا،ً علماً انها تستهزئ دائما بمناصب مثل رئيس الوزراء او الامين القطري المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي او رئيس مجلس الشعب او نائب رئيس الجمهورية وتعتبرهم موظفين مهمتهم تجميل صورة النظام)، اتخذت هذه القيادة قراراً بعرقلة وافشال مهمة القوات الاميركية بالعراق من خلال تطويع الشبان العرب الراغبين لدوافع اسلامية بالجهاد ضد القوات الأميركية في العراق وبحيث يتم تدريبهم ومدهم بالسلاح ونقلهم في شكل غير نظامي لداخل الحدود العراقية من أجل القيام بعمليات تفجيرية او استشهادية او انتحارية.
ووضعت الخطة بحيث تتم كل العملية باشراف دقيق ومباشر من المخابرات السورية لكن من دون وجود فعلي لعناصرها بعملية التنفيذ قد يؤدي لكشف الصلة بين المخابرات السورية وبين تلك الجماعات اذا ما تم القاء القبض على بعض العناصر.
وبدأ البحث عن شخص ذو صفات محددة، اذ يجب ان تتوافر فيه الجرأة والاندفاع وشخصية كاريزمية تحسن اقناع الآخرين والسيطرة عليهم اضافة لحفظ القرآن والايمان بالجهاد، حتى يتمكن من القيام بعملية التجنيد للشباب العرب وتم ايجاد المطلوب من خلال سجلات من تم التحقيق معهم في فروع أمنية عدة، وهو محمود كول بن محمد آغاسي (ابو القعقاع)، حيث يتميز بأنه متحمس جريء ومتكلم يحمل اجازة في الشريعة الاسلامية من جامعة دمشق، من مواليد منطقة اعزاز عام 1973، وهو كان أدى الخدمة الالزامية في اللواء 33 مدرعات وتم التحقيق معه في فروع الأمن بعد عودته من باكستان التي سافر اليها من أجل اللقاء بعناصر من «طالبان» وعند عودته تم ايقافه في القاهرة والتحقيق معه قبل ان يعاد لسورية. والمهم أيضاً أنه كردي وهو ما تحبذه المخابرات السورية (مثل قصة الشاهد الكاذب المدسوس في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وهو أيضاً كردي، هسام هسام).
وتم الاتفاق معه من قبل المخابرات السورية ان يفسح المجال لنشاطه في التجنيد من خلال تمكينه من الخطبة في مسجد التوابين في حلب من دون موافقة وزارة الأوقاف، وكان ضابط الارتباط معه العميد محمد بكور (رئيس فرع المخابرات الجوية في حلب)، وقد فتح فرع الأمن العسكري في حلب أيضا معه اتصال مباشر للرقابة المزدوجة عليه ولتقاطع المعلومات مع فرع الجوية.
وفعلاً بدأ نشاطه في شكل قوي وبدأ يستقطب الشباب العرب القادم لسورية ويأخذهم لمعسكرات تدريب ويزودهم بالسلاح ويؤمن لهم المكروباصات لنقلهم للحدود العراقية، حيث يتم تهريبهم من هناك بمعرفته. وقد نشطت معه زوجته نجود كور ايضاً في ميدان النساء.
وفي جلسة خاصة، سأل احد الحضور محمد سعيد بخيتان (رئيس مكتب الامن القومي حينها) عن قصة الشيخ ابو القعقاع، وكيف يسمحون بهذه الظاهرة، فأجابه بأنه سأل اللواء عز الدين اسماعيل (رئيس المخابرات الجوية) والذي يرعى ابو القعقاع من خلال فرعه في حلب عن هذا الموضوع في اجتماع مكتب الأمن القومي، فأجابه بان هذا الموضوع يتم بمعرفة السيد الرئيس.
وبعد افتضاح العملية في شكل كبير، حيث كتبت عن ابو القعقاع، العديد من الصحف الاميركية والعربية وأصبح يخشى ان تتم المطالبة به او اختطافه من قبل جهات اميركية، فكان لا بد من ايجاد حل، وتم الانتظار لحين تقاعد اللواء عز الدين اسماعيل حيث سارع البديل اللواء عبد الفتاح قدسية باستدعائه واعلمه انهاء التعاقد معه، فما كان من ابو القعقاع الا ان بدأ يلبس البذلة والكرافات ويحضر الديسكو اعلاناً بانتهاء تلك المرحلة، كما أوصى اللواء قدسية بعدم التجديد للعميد محمد بكور رغم خبرته الكبيرة من اجل الا يكون على رأس عمله وابعاده عن الصورة. وبالفعل تقاعد العميد بكور وتكريماً له تم تعيينه عضوا في مجلس الشعب في ابريل 2007.
وبعد ان تم تشديد التهديدات الأميركية بضرورة اغلاق الحدود مع العراق وعدم ارسال مجندين، خضع النظام السوري وبدأ يقيم رحلات اطلاعية للصحافيين كي يروا السواتر الترابية التي وضعها والدوريات التي تراقب الحدود.
وهنا برزت أمام النظام مشكلة هؤلاء الاسلاميين المتطرفين الذين قاموا بتجنيدهم والذين ما زالوا موجودين على اراضيه، وكذلك المجندون الذين يعودون من العراق. واتخذت المخابرات السورية قراراً بتشكيل مجموعات مهمتها الاستفادة من الطاقات الجهادية الموجودة لدى هؤلاء الشباب لتفريغها خارج سورية، بدلاً من أن يستخدموها داخلها ضد النظام، فتم تقسيم هؤلاء الشباب ضمن فئات، حسب أولياتهم الجهادية، اعتماداً على تقارير شيوخهم الذين جندوهم ودربوهم وهم كلهم من المخابرات السورية وبرزت اولويات عدة وتم التعامل معها بطرق مختلفة:
– المجموعة التي برز لديها تحرير القدس الشريف وفلسطين المحتلة من اسرائيل كأولوية تم ضمهم تحت قيادة مرشد روحي واحد، وتم العمل على اقناع قيادات بعض الفصائل الفلسطينية في دمشق بان تقبل استضافة هذه المجموعة ضمن المخيمات الموجودة فيها في لبنان خصوصاً ان اهدافها تتطابق معهم في تحرير فلسطين.
وعند انتهاء اعداد أماكن الاستضافة في المخيمات بدأت المرحلة الثانية من العملية، حيث قامت المخابرات السورية بالقبض على المرشد الروحي للمجموعة وبعض عناصرها بالاتفاق معهم وكذلك تم نشر اشاعة بين جميع أفراد المجموعة بأنهم اصبحوا ملاحقين ومطلوبين للمخابرات السورية التي ستقوم بتعذيبهم وسجنهم اذا كانوا سوريين وتسليمهم لبلادهم الاصلية اذا كانوا عربا. وكان من يقوم بنشر الاشاعة يعلم أعضاء المجموعة بأن هناك حركة جديدة تريد تحرير القدس الشريف من المحتل الاسرائيلي وطابعها اسلامي جهادي وقد انشقت عن حركة «فتح» واسمها «فتح الاسلام»، ويمكن ان يقوم بتعريفهم على شخص يقوم بنقلهم خارج الحدود السورية الى مكان وجود تلك المجموعة المؤمنة حيث سيتلقون التدريب والسلاح استعداداً ليوم النصر. وبهذه الطريقة تم نقل أعضاء المجموعة الى مخيم نهر البارد في شمال لبنان كي تبدو وأنها عملية هروب من المخابرات السورية لا عن تدبير مسبق وتصميم منها. كما تم في تلك الاثناء اطلاق شاكر العبسي، المحبوس لدى المخابرات السورية وارساله للبنان وتجهيز البنية التحتية له في المخيمات كي يطلق مجموعة «فتح الاسلام».
– المجموعة التي برز لديها أولوية انشاء الدولة الاسلامية وتطبيق الشريعة ونصرة أهل السنة كبداية لا بد منها لتطهير الأرض العربية من المحتل الاسرائيلي والاميركي وتم ضمهم تحت قيادة مرشد روحي واحد. وتم كما في السابق، اعتقاله مع بعض عناصر المجموعة بالاتفاق معهم ونشر اشاعة ان الجميع باتوا مطلوبين للقبض عليهم وكان من ينشر الاشاعة يدعوهم الى تشكيل مجموعة «جند الشام» التي هدفها اقامة الدولة الاسلامية وكان يتم تأمين طريقة هروب لهم للبنان واستضافتهم من قبل جماعات اسلامية متطرفة ممولة ومدعومة من سورية، بحيث يبدو كامل الامر ان هذه المجموعة تشكلت بسبب الهروب من ملاحقة المخابرات السورية لا ان العملية مدبرة ومقدر لها ان تصل لهذه النقطة.
وبعد ما استقر تشكيل المجموعات في لبنان بدأ تدريبها ومدها بالسلاح لتكون جاهزة ومن خلال قيادتها للعمل بتوجيهات المخابرات السورية وبطريقة تبين ان القرار صادر منهم ولا دخل للسوريين باي موضوع وذلك في موضوع زعزعة الاستقرار بلبنان لضرب موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي. وبدأ العمل لربطها ببعض القيادات السياسية السنية في لبنان من خلال اقناعها بانه يمكن من خلال تمويل هذه المجموعات ان تقوم باستثمارها لصالحها في موضوع توازن الرعب مع «حزب الله» ويمكن ان يكون البعض تورط في هذه اللعبة المخابراتية، كما حصل في موضوع الشاهدين الكاذبين في قضية الحريري.
وبدأت التحضيرات للتفجير الحالي من خلال العمل على ربط «فتح الاسلام» بقيادات سياسية لبنانية، ونشر ذلك في وسائل الاعلام قبل تفجير المعركة مع الجيش، وبالفعل تم توريط «تلفزيون الجديد» من خلال معلومة أمنية سورية تم ارسالها لهم عن طريق غير مباشر بانه يمكن ترتيب مواعيد مع عناصر من «فتح الاسلام»، وبالتالي ستكون خبطة اعلامية للمحطة. وبالفعل تم بث اللقاءات يوم الجمعة 13 ابريل 2007 في نشرة اخبار الثامنة والنصف من اجل حرف الانتباه عن المشكل الحقيقي لـ «فتح الاسلام»، وهو المخابرات السورية.
ويجب أن يذكر هنا بأن هناك عناصر من «جند الشام» عادت لسورية من لبنان بعد فترة من هروبها وقامت بتنظيم نفسها وبعمليات ارهابية عدة، من المزة للسفارة الأميركية الى التلفزيون السوري، لكن جميع تلك العمليات معروفة سلفاً من قبل المخابرات السورية، حيث ان اسماء افراد المجموعة وهوياتهم معروفة بدقة وكذلك منازلهم وتحركاتهم، لذلك يتم مراقبتهم عند التخطيط والبدء بالتنفيذ ويتم انتظارهم او تعطيل بعض قنابلهم عند المباشرة بالتنفيذ من أجل الاستفادة من هذه العمليات بالاعلان ان سورية هي هدف ايضا للارهاب وكذلك من اجل قتلهم جميعاً. لذلك نرى انه لا يوجد ناجون نهائياً من أي عملية ارهابية تمت بسورية لانهم سيعترفون عن كل الفضائح الامنية التي يعرفونها.
ويمكن بسهولة كشف علاقة المخابرات بكامل العملية من خلال التحقيق مع العناصر التي كانت مسجونة في سورية وتم اخلاء سبيلها وكذلك الذين ما زالوا في السجون ومطابقة معلوماتهم مع الذين هربوا الى لبنان.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *