النص القومي وموقفه من الدين: هرتزل – الحصري نموذجاً

print
القيادة والجماهير هما طرفا التكوين في أية أمة من الأمم، ومن الواضح أن الطرفين يتحملان مسؤولية التغير والانتقال من حال إلى حال، ونجاح القيادة في حل مشاكل الأمة الداخلية والخارجية وتمكينها من أداء الدور الحضاري هو الذي يجعلها تحوز الاحترام على مستوى أمتها بشكل خاص، وعلى المستوى الإنساني بشكل عام. وبمقدار ما تكون القيادة مبدعة وذات خيال خلاق بمقدار ما تستطيع أن تنجح في قيادة شعبها وفي تحقيق أهدافه، وفي هذا المجال يمكن أن نقارن بين القيادتين: العربية واليهودية في مطلع القرن العشرين، لنرى إلى أي حد تتحقق المقولة السابقة، ومدى دور تانك القيادتين في تحقيق طموحات شعبيهما، وسنأخذ تيودور هرتزل نموذجاً للقيادة اليهودية، وساطع الحصري نموذجاً للقيادة العربية.

اتصفت أوروبا في القرن التاسع عشر بعدة صفات أبرزها: النـزعة الاستعمارية، التوجهات القومية، والحياة الليبرالية، فكيف تعاملت القيادات اليهودية مع كل صفة من تلك الصفات؟ وكيف استفادت منها؟ وكيف حولتها لصالح شعبها؟

        استفادت القيادة الصهيونية من نـزعة أوروبا الاستعمارية، فربطت مشروعها الصهيوني بالمشروع الاستعماري الغربي، لذلك سعى تيودور هرتزل (1860-1904م) بعد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م إلى استصدار “”براءة”” من إحدى الدول العظمى من أجل دعم المشروع الصهيوني، وكان توجهه الأول نحو ألمانيا، لكنه في مرحلة تالية توجّه إلى بريطانيا، وعبّر عن ذلك في المؤتمر الصهيوني الرابع الذي انعقد في لندن بتاريخ 13-16 آب/أغسطس 1900م حيث قال: “”انكلترا، انكلترا العظيمة، انكلترا المطلّة على كل البحار، ستفهم تطلعاتنا. من هنا ستنطلق الفكرة الصهيونية، وتحلّق بعيداً وعالياً، ونحن على ثقة من ذلك””. وقد أنتج ذلك التخطيط والتوجه صدور وعد بلفور في عام 1917م، والذي ينص على إعطاء اليهود وطناً قومياً لليهود  في فلسطين.

        كذلك استفادت القيادة الصهيونية من الثورات القومية التي كانت تؤجج أوروبا في القرن التاسع عشر فطرحت الصهيونية نفسها كقومية، مثل القوميات الأوروبية، لكنها تحتاج إلى دولة لترعى شؤون الأمة اليهودية، واستهدفت فلسطين لتقيم عليها تلك الدولة بعد أن رفضت منظمة المؤتمر الصهيوني عدة عروض بإقامة تلك الدولة في أوغندا أو الأرجنتين، واعتبرت أن أرض فلسطين محتلة، لذلك فالصهاينة في صراع مع المحتلين العرب، ووصفوا أنفسهم بأنهم  حركة  تحرير وطني تسعى إلى إقامة دولتها لكي تتطابق الأمة مع الدولة.

        لاشك أن كل المفردات التي استعملتها القيادة الصهيونية مفردات تعرفها أوروبا حق المعرفة كالقومية والأمة والتحرير والدولة القومية و تطابق الأمة مع الدولة إلخ…، لكن المفارقة أن الواقع اليهودي كان مبايناً لكل تلك المفردات مباينة كاملة، فأبسط مفردات الوجود القومي وهو اللغة لم تكن متحققة في الشعب اليهودي، فكل طائفة تتكلم لغة البلد الذي تعيش فيه, وفي المؤتمرات الصهيونية الأولى لم تكن العبرية هي لغة التفاهم، ثم أصبحت بعد ذلك في مؤتمرات متأخرة، بل كانت لغة التفاهم هي اللغة الألمانية، ومن هنا جاء دور القيادات البارز والفعّال في التخطيط إلى تجاوز كل العقبات وتذليلها على أرض الواقع.

        ولّدت التطورات الحضارية الأوروبية مناخاً ليبرالياً في القرن التاسع عشر، ودعا هذا المناخ اليهود إلى الاندماج في المجتمعات الغربية، وبخاصة عندما ترسخت الحريات بشكل عام، ودعمت القوانين حرية المعتقدات والأديان الفردية بشكل خاص، وعندما أصبحت المواطنة هي القيمة الأساسية للتعايش بين الأفراد بغض النظر عن الدين والعرق، وشكّل هذا المناخ فرصة كبيرة لإنهاء المسألة اليهودية في المجتمعات الأوروبية، وبالفعل دعا كثير من المفكرون اليهود إلى الاندماج في المجتمع الغربي، لكن القيادة الصهيونية قامت على معاكسة هذا التيار، ومقاومة الاندماج في المجتمعات الغربية، وكان أول بند  بحثه المؤتمر للصهيوني الأول الذي ترأسه تيودور هرتزل هو مقاومة الاندماج، والدعوة إليه، ورسم الخطط لتحقيقه، ثم بحثت كل المؤتمرات الصهيونية بند عدم الاندماج في السنوات التالية إلى حين قيام اسرائيل.

        والآن لو انتقلنا إلى القيادات العربية ومن أبرزها ساطع الحصري (1880-1968م)، فنتساءل: كيف تعاملت هذه القيادات مع واقع أمتنا؟ وما الذي استفادته من أوروبا؟ وما نوعية الفكر الذي تعاملت به مع أمتنا؟

        دعا الحصري إلى القومية العربية, واعتبر أن القرن العشرين سيكون قرن القوميات في آسيا وأفريقيا كما كان القرن التاسع عشر قرن القوميات في أوروبا، وقلّد في دعوته القومية النموذج الألماني، فاعتبر أن القومية العربية تقوم على اللغة والتاريخ كما هي القومية الألمانية، وقد كان حرفياً في هذا الموقف.

        كذلك لم يعتبر الدين عنصراً من عناصر تشكيل الأمة، لأن الدين لم يلعب هذا الدور في أوروبا، في حين أن تفحص الوضع العربي يؤكد الدور الفعّال للدين الإسلامي في بناء الأمة العربية، وأنه لا يمكن أن نفسّر الوحدة الثقافية، ولا وحدة الأجناس والأعراق فيها، ولا وحدة التكوين النفسي المشترك، ولا وحدة العادات والتقاليد إلا بالدين الإسلامي، وكذلك لا يمكن أن نفهم العاملين اللذين اعترف بهما الحصري وهما وحدة اللغة والتاريخ إلا من خلال القرآن الكريم والسنة،  فلولا القرآن الكريم وتعميمه لهجة قريش على بقية اللهجات لما تحققت وحدة اللغة العربية عند الأمة العربية، ولكانت هناك عدة لغات عربية بعدد اللهجات العربية، وكذلك كان تاريخ الأمة مرتبطاً بالإسلام ارتباطاً كاملاً في مجال بناء المجتمع والدولة، ومجال وتكوّن العلوم الإسلامية، ومجال تبلور العلوم الدنيوية، ومجال نشأة الفرق المختلفة، ومجال تطور التاريخ العسكري إلخ…

        لعب ساطع الحصري دوراً قومياً رائداً على مستوى الوطن العربي، لكنه كان أكثر تأثيراً على مستوى العراق، فقد صاغ توجهه القومي وفكره التربوي بعد الحرب العالمية الأولى إثر سقوط الخلافة، لأنه كان أبرز المفكرين القوميين في حاشية الملك فيصل الذي توج ملكاً على العراق في العشرينات حتى القرن الماضي.

        لقد زرع ساطع الحصري بذور الفقر الثقافي والاستعلاء العنصري في العراق نتيجة حرفيته في نقل النموذج القومي الألماني، والذي دفع إلى استبعاد الدين من عوامل بناء الأمة، وقد أدى كل ذلك إلى تمهيد الطريق لديكتاتورية صدام حسين من جهة، وإلى زرع بذوز التقسيمات العرقية والقومية والطائفية في العراق من جهة ثانية.

        والآن يمكن أن ننتهي إلى المقارنة بين قيادة تيودور هرتزل وبين قيادة ساطع الحصري، فنجد أن هناك قيادة مبدعة لم تجمد أمام حرفية النصوص القومية في موقفها المعادي للدين، بل اخترقت ذلك الحاجز واعتبرت أن هناك تزاوجاً بين اليهودية والصهيونية، وأن اليهودية أصل الفكر القومي عندهم، فأعلن هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م، فقال: “”إن العودة إلى صهيون يجب أن تتبعها عودتنا إلى اليهودية””، واعترف حاييم وايزمن أول رئيس لدولة اسرائيل بتلازم الصهيونية واليهودية فقال: “”إن يهوديتنا وصهيونيتنا متلازمتان متلاحقتان ولا يمكن تدمير الصهيونية دون تدمير اليهودية””، ووضح دافيد بن غوريون أول رئيس للوزارة الاسرائيلية أهمية التوراة للصهيونية فقال: “”إن الصهيونية تستمد وجودها وقوتها من مصدرين: الأول: التوراة، الثاني: الثورات التي اجتاحت أوروبا””. كذلك لم تجمد القيادة اليهودية أمام الواقع فسارت عكس التاريخ الأوروبي الليبرالي عندما قاومت اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية، وعلى خلاف ذلك أخذت القيادة العربية بحرفية النصوص القومية، وجمدت أمامها، ولم تعتبر الدين عاملاً من عوامل بناء الأمة لأن أوروبا لم تفعل ذلك، فكانت النتيجة أن القيادة اليهودية نجحت في إقامة دولتها القومية وتمكينها، في حين أن القيادة العربية نجحت في إقامة دولتها في العراق لكنها تدمرت بعد ثلاثة أرباع القرن.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *