download (2)

المقدس والمدنس بين الإسلام والنصرانية

print
ظنَّ كثير من الدارسين أن الإسلام أسسَ لمفاهيم جديدة في مجال الألوهية والربوبية فقط، لكن الحقيقة أن الإسلام خالف الديانات السابقة في مفاهيم أخرى كثيرة ومنها: الطهارة والنجاسة، والنظرة إلى الشهوات، والنظرة إلى الجسد إلخ…، وسأتحدث –الآن- وألقي الضوء على “المقدس والمدنس” عند الإسلام والنصرانية.

تحتل ثنائية “المقدس والمدنس” مساحة كبيرة عند النصرانية، وتقوم عليها معظم تعليماتها، ويمكن أن نبرز منها الأفكار التالية:

الأولى: أن الإنسان يولد ومعه الخطيئة، التي ورثها من أبيه آدم عليه السلام، عندما عصى ربه وأكل من الشجرة التي نهاه عنها، وعليه أن يكفر عن هذه الخطيئة، وقد جاء التكفير بأن عرّض الله ابنه وهو المسيح عليه السلام للصلب والقتل، من أجل أن يحرر بني آدم من وزر هذه الخطيئة تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

الثانية: أن الدنيا دنس، وأن كل ما فيها من أموال وقصور ومقتنيات دنس، وأن الآخرة هي المقدس، وهي القيمة الوحيدة التي يجب أن يوجه العبد قلبه وهمته إليها، ليصبح في ملكوت الله.

الثالثة: أن الشهوات دنس بكل أنواعها من نساء وزواج وطعام وشراب دنس إلخ…، وقد اعتبرت النصرانية أن المرأة ينبوع المعاصي وأصل السيئة والفجور. وبحسبها أنها امرأة كانت للرجل باباً من أبواب جهنم، وقد قال ترتوليان أحد أقطاب النصرانية الأول مبيناً نظرية النصرانية في المرأة: “إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الملعونة ناقضة لقانون الله، ومشوهة لصورة الله أي: الرجل”، وقال [خريسوستوم فم الذهب] الذي يعد من كبار أولياء النصرانية في شأن المرأة: “هي شر لابد منه”.

واعتبرت النصرانية أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة نجساً في نفسها، يجب أن تُتجنب، ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمي مشروع، ولذلك أصبحت حياة العزوبة مقياساً لسمو الأخلاق وعلو شأنها كما صارت الحياة العائلية علماً على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع. وجعلوا يعدون العزوبة وتجنب الزواج من أمارات التقوى والورع ومكارم الأخلاق، وأصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة ألا يتزوج أصلاً.

الرابعة: اعتبرت النصرانية الجسد دنساً وهو الذي يسجن الروح، لذلك يجب تعذيبه وقتله من أجل أن تنطلق الروح.

وجهت النصرانية -بناء على الأفكار السابقة- أتباعها نحو عدة تصرفات:

أولها: الدعوة إلى الرهبانية، فاعتبرتها الوسيلة الأساسية للتخلص من أدران الدنيا والشهوات، لذلك انتشرت أديرة الرهبان في أوروبا بشكل واسع في العصور الوسطى.

وثانيها: تعذيب الجسد من أجل إطلاق الروح وتخليصها من محاصرة الجسد، ويكون التعذيب بطرق متعددة، منها: الجوع، عدم النوم، حمل الأثقال، عدم الاغتسال، اعتزال الناس لفترة طويلة إلخ…

من الجلي أن الإنسان الأوروبي كانت تلاحقه مفاهيم الخطيئة في العصور الوسطى، وكانت تحكمه ثنائية “المقدس والمدنّس”، وكان المجتمع ينظر إلى أن الدنيا والمرأة والجسد والجنس والشهوات كلها مدنس، وكان ينظر إلى الآخرة والروح وحياة الرهبنة وقتل الجسد هي المقدس، فماذا كانت نتيجة ذلك الموقف المنافي للفطرة في التعامل مع كل تلك الأمور؟ كانت النتيجة قيام الثورة على تلك القيم والمفاهيم المخالفة للفطرة عن طريق الثورة الفرنسية، ولم يتوقف الموقف عند الثورة عليها، بل تعداه إلى التجرؤ على الدين وطرده من حياة الناس ومحاصرته في الأديرة، واعتباره معادياً للعقل، ومرادفاً للخرافة والأوهام. والسؤال الأهم: هل عادت المجتمعات الأوروبية إلى الفطرة في ثورتها؟ لا للأسف  بل إنها انتقلت من الانحراف السابق القائم على ثنائية “المقدس والمدنس” إلى انحراف آخر: هو “تدنيس المقدس، وتقديس المدنس”، أما “تدنيس المقدس” فيعني ترذيل وتسفيه وتسفيل كل ما يتعلق بالمقدسات من مثل الله والآخرة والروح والقيم الدينية إلخ…، أما “تقديس المدنس” فيعني إعلاء وتعظيم وتزيين كل ما يتعلق بالمدنسات: من مثل الدنيا والجسد والمرأة والشهوات إلخ… وسأوضح ذلك في المنظومتين الأيديولوجيتين اللتين سادتا في القرن العشرين وهما: الشيوعية والرأسمالية، وفي أكبر كتلتين سياسيتين هما: الاتحاد السوفياتي والعالم الحر.

لقد جسد الاتحاد السوفييتي الشيوعي ثنائية الأزمة التي انتهت إليها أوروبا وهو “تدنيس المقدس وتقديس المدنس” خير تجسيد ، فأصبح الإلحاد هو الأصل الذي يقوم عليه، وأصبح يعلن أن الدين خرافة وأوهام، وأنه أفيون الشعوب، وأنه ليس هناك عالم غيب، وأن الملائكة والشياطين والجنة والنار أوهام من اختراع الأغنياء لاستغلال الفقراء… إلخ. ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات البشرية لم تعرف مجتمعاً قام على الإلحاد، صحيح أنها عرفت بعض الملحدين، لكنها لم تعرف مجتمعاً خالياً من الإقرار بوجود إله، بغض النظر عمن هو الإله، فقد يكون كوكباً أو شجرة أو شخصاً أو جبلاً… إلخ. ولم تعرف مجتمعاً خالياً من دور العبادة، وربما كان المجتمع الأول الذي قام على الإلحاد في التاريخ هو المجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وهذا تعبير صارخ عن الشق الأول من الثنائية وهو “تدنيس المقدس” أن يصل مجتمع إلى هذا الوضع من الإلحاد والتنكر لركن أساسي وكبير من أسس الفطرة وهو ركن (التعبد).

أما في مجال “تقديس المدنس” وهي الدنيا والمرأة والشهوات إلخ…، فإن الشيوعية قد اعتبرت أن الحياة مادة وليس وراء المادة شيء، واعتبرت على لسان «إنجلز» أن ستر العورة طريقة صريحة لامتلاك النساء، واعتبرت كذلك أن ولادة الحجاب جاءت مترافقة مع ولادة الملكية الفردية، لذلك سينتهي الحجاب عند انتهاء الملكية الفردية، وستعود العلاقات الجنسية مشاعة كما كانت في المجتمع القديم: كل النساء لكل الرجال.

فإنه يقوم على نفس الأسس المادية التي يقوم عليها المعسكر الشيوعي في مجال “تدنيس المقدس”، فهو  يتنكر للغيوب من: إله وملائكة وآخرة وروح إلخ..، ويستهزئ بها، ويرذّل الإيمان بها، ويسفّل كل القيم المتعلقة بها ويعدَّها خرافة وأوهاماً وشعوذة إلخ.. أما في مجال (تقديس المدنس) فإن هذا المعسكر يعلي ويعظّم  بل ويؤلّه كل مفردات المدنس من: الدنيا والجسد والمرأة والشهوة إلخ..، ومما يؤكد ذلك حجم الإنفاق على الجنس في الإنترنت، والصورة التي تستغل بها المرأة في الدعاية والإعلان، وحجم العري الذي يسود المجتمع الغربي، والتشريع للشذوذ الجنسي بشقيه: اللواط والسحاق، وقبوله حتى في الكنائس.

من الواضح أن الغرب كان يعيش في القرون الوسطى على ثنائية “المقدس والمدنس”، وكانت مفردات المدنس واسعة وتشمل الدنيا والجسد والزواج والمرأة والشهوات إلخ.. لذلك انفجرت أوروبا وثارت لأن هذه الثنائية ترذّل وتدنّس وتسفّل كثيراً من الأمور الفطرية التي لابد للإنسان أن يعطيها حقها، ولكن أوروبا -عندما ثارت- لم تحل تلك الأزمة بشكل سوي، ولم تأخذ الفطرة وضعها الصحيح، بل إنها انتقلت من أزمة إلى أخرى، وانتقلت من ثنائية خاطئة إلى أخرى أكثر خطأ، وانتقلت من ثنائية “المقدس والمدنس” إلى ثنائية “تدنيس المقدس وتقديس المدنس”، ومما يؤكد ما نقوله هو الانفجار الذي شهده الاتحاد السوفييتي عام 1990، وانتهى بإزاحة الشيوعية لأنها تقوم على أسس معادية للفطرة، وهو ما نتوقعه للمعسكر الرأسمالي، لأن انتصارالفطرة أمر حتمي.

والآن بعد أن رأينا المفاهيم التي قامت عليها اليهودية والنصرانية في مجال المقدس والمدنس، فما موقف الإسلام من الدنيا والجسد والمرأة والشهوات إلخ..؟ جاءت تعاليم الإسلام ملبية للفطرة، وجاءت مفاهيمه مخالفة لكل المفاهيم السابقة في مجال الدنيا والجسد والنجاسة إلخ…، ونحن سنستعرض هذه المفاهيم واحداً تلو الآخر، وهي:

1- عدَّ الإسلام أن الدنيا هدف في حد ذاتها، وطلب أن يسأل العبد ربَّه أن يؤتيه الحسنات فيها فقال الله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

2- عدَّ الإسلام إعمار الأرض هدفاً من أهداف خلق الإنسان، فقال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل”. (رواه أحمد)

 3- وعدَّ الإسلام الجسد قيمة؛ لذلك قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70].

لذلك رفض الإسلام أية صورة من صور تعذيب الجسد التي كانت موجودة في الأديان السابقة، واتضح ذلك في بعض أحاديثه عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبوإسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه” (رواه البخاري)

وجاء في حديث آخر عن أنس أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد  فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا الحبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد». (متفق عليه).

وجاء في حديث ثالث في رواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: “جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً،  فلا أنام وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (رواه البخاري)

4- عدَّ الإسلام قضاء الشهوات عبادة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه: “في بضع أحدكم صدقة”، قالوا: يا رسول الله. أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر فيها؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». (رواه مسلم).

5- وعدَّ الإسلام المؤمن لا ينجس فقد ذكر أبو هريرة –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة، وهو جنب، فانخنس فذهب فاغتسل، ثم جاء فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» فقال: كنت جنباً، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس» (ورواه الجماعة).

6- لا يعدُّ الإسلام الحائض نجسة لذلك أباح مؤاكلتها ومجالستها والاجتماع معها في البيوت، لحديث أنس أن البهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي الرسول صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْـمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْـمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْـمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “اصنعوا كل شيء إلا النكاح” (رواه الجماعة إلا البخاري).

ماذا كانت نتيجة تلك التعاليم الموافقة للفطرة؟ كانت نتيجة ذلك أمرين:

الأول: إعمار شامل وواسع لكل مجالات المجتمع في شؤون الاقتصاد والزراعة والثقافة والتربية والفنون والعلوم إلخ.. وهو إعمار لم تعرفه أية حضارة أخرى بهذا الشمول والاتساع.

الثاني: لم تعرف الأمة الإسلامية أزمة وجود كما عرفتها أوروبا نتيجة التصادم مع الفطرة مرتين، الأولى: في العصور الوسطى، والتي فجرت الثورة الفرنسية، والثانية: في العصور الحديثة والتي فجرت الاتحاد السوفييتي، بل عرفت الأمة الإسلامية أمراض وجود، وهو ما يمكن أن تعالجها من خلال مرجعيتها الإسلامية، على خلاف المسألة الأولى، وهي أزمة الوجود في الحضارة الغربية التي يقتضي علاجها بإيجاد حل لها من خارج مرجعيتها الثقافية.

 الخلاصة: احتل مفهوما “المقدس والمدنس” في الأديان السابقة على الإسلام من نصرانية ويهودية وغيرهما مساحة واسعة، وعدَّت تلك الأديان كثيراً من الأمور الفطرية دنساً مثل الدنيا والمرأة والشهوة إلخ…، كما وعدَّت المقدس فقط هو الله والآخرة والروح إلخ…، مما جعل أوروبا تثور على هذه الثنائية في القرن الثامن عشر، لكنها لم تصحح هذا الخطأ الفطري، بل انتقلت أوروبا إلى ثنائية أخرى لا تقل خطأً عن السابقة وقامت على “تدنيس المقدس وتقديس المدنس”، أما الإسلام فقد نجا من تلك الانحرافات، واعترف بفطرية الشهوات والجنس والمرأة إلخ…، لذلك أنشأ حضارة شاملة واسعة لم تعرفها البشرية في أية حضارة أخرى من جهة، ولم تعرف الأمة الإسلامية أزمة وجود كما عرفها الغرب بل عرفت أمراض وجود كانت تعالجها من خلال مرجعيتها الثقافية، وهي: الإسلام.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *