القياس الأصولي والقياس المنطقي : أيهما اكثر صوابا؟

print
عَرَف الفقه الإسلامي القياس الأصولي الذي يقوم على أربعة أركان هي: الأصل والفرع وحكم الأصل وعلّة الحكم، وقد عرفه الأصوليون فقالوا: هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علّة الحكم، ويمكن أن نمثّل على القياس الأصولي بالمثال التالي: شرب الخمر واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو التحريم الذي ورد في قوله I: (إنما الخمرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عملِ الشيطانِ فاجْتَنِبوهُ) (المائدة،90) لعلّة هي الإسكار، فكل نبيذ توجد فيه هذه العلّة يُسوَّى بالخمر في حكمه ويحرم شربه.

وقد اعتبر القياس الأصولي في مرحلة لاحقة مصدراً من مصادر التشريع، وكان الشافعي أبرز العلماء الذين قننوا القياس الأصولي، وقد كان هذا القياس مثار شغب في الماضي والحاضر، ومن أبرز الذين شغبوا عليه في الماضي: الغزالي وابن حزم، وفي الحاضر: الدكتور محمد عابد الجابري، وقد كان هذا الشغب لصالح قياس آخر هو القياس المنطقي الذي ينسب إلى أرسطو المعلم الأول، فقد اعتبر الغزالي في كتاب “”المستصفى”” أنّ المنطق مقدمة العلوم كلها ومن لا يتقن المنطق فلا ثقة بعلومه، وكان ابن حزم قد سبق الغزالي في الدعوة إلى استخدام المنطق في كتاب “”التقريب لحدود المنطق””، وكان قد رفض القياس الأصولي لأنه يقوم على التعليل، وهذا الموقف استمرار لموقفه الظاهري الذي يقوم على أنّ أقوال الله I وأوامره غير قابلة للتعليل ولا حكمة فيها، وقد نحا علماء آخرون منحى آخر فقالوا بخلاف ما قاله ابن حزم، وجزموا بالحكمة في أقوال الله I وأوامره ونواهيه وشرائعه، واستشهدوا على وجهة نظرهم ببعض الآيات التي ورد فيها مثل هذا التعليل كقوله I في بعث الرسل: (رُسُلاً مُبَشِّرينَ ومُنْذِرينَ لِئَلاَّ يكونَ للناسِ على اللهِ حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُل) (النساء،165)، (وما أَرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً للعالَمينَ) (الأنبياء،107)، وكقوله I في أصل الخلقة (وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إلا لِيَعْبُدون) (الذاريات،56)، (الذي خَلَقَ المَوْتَ والحياةَ لِيَبْلُوَكُم أَيُّكُم أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك،2)، وقد ذهب ابن القيّم الجوزية إلى صعوبة إحصاء الآيات والأحاديث التي ورد فيها تعليل الأحكام لكثرتها، وقد أخذ هذا الاتجاه مداه على يد الشاطبي في علم المقاصد حيث قنّن قواعده وفنونه في كتاب “”الموافقات””.

وهناك عدد كبير من العلماء فنّدوا منطق أرسطو واعتبروه لا يضيف علماً، كما فنّدوا القياس المنطقي المنبثق عنه، ومن أبرزهم ابن تيمية في عدة كتب منها: “”نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان””، وسار على منواله تلميذه ابن القيّم الجوزية، ومن المفيد في هذه المرحلة التي مازالت فيها أصوات تدعو لاعتماد القياس المنطقي وتهوّن من شأن القياس الأصولي، ومن ضمنهم الدكتور محمد عابد الجابري، من المفيد إجراء الموازنة بين القياسين: الأصولي والمنطقي من أجل تقرير أيهما أكثر إفادة للعلم، وأيهما ساندته العلوم الحديثة.

وقبل الولوج بالموازنة بين القياسين: الأصولي والمنطقي، سأوضح بعض القواعد التي قام عليها القياس المنطقي اعتماداً على كتاب “”المستصفى”” للغزالي، فقد بيّن فيه أنّ إدراك الأمور تبدأ من إدراك الذوات المفردة، ثم إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، كما تنسب القِدَم إلى العالم بالنفي فتقول: ليس العالم قديماً، والأول: أي الذوات المفردة الذي يستحيل فيه التصديق والتكذيب، والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب، وقد سمى المنطقيون معرفة المفردات تصوراً، ومعرفة النسبة الخبرية بينهما تصديقاً، فقالوا: العلم إما تصور وإما تصديق، ثم بيّن أنّ المطلوب من المعرفة لا يُقتنص إلا بالحدّ، والمطلوب من العلم الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب لا يُقتنص إلا بالبرهان، وينتهي الغزالي إلى القول: “”فالبرهان والحدّ هو الآلة التي تُقتنص بها سائر العلوم المطلوبة””، ووضح الغزالي حد الشيء فقال: هو حقيقته وذاته. وفي قول آخر: هو اللفظ المفسّر له على وجه يمنع ويجمع. واعتبر أنّ برهان القياس المنطقي لابد له من مقدمتين: الأولى يجب أن تحتوي معنى كلياً ثم مقدمة وسطى ثم تأتي النتيجة كقولنا:

       كل إنسان فان , سقراط إنسان , إذن سقراط فان .

ويمكن أن توجّه الملاحظات التالية إلى القياس المنطقي ومنها: أنه لا ضرورة للقضية الكلية وأنه ما من قضية كلية وتجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون وجودها، وأنّ ما ثبت للكلّ فقد ثبت لكل واحد من جزئياته، وإنّ المقدمة الوسطى لا ضرورة لوجودها أيضاً فإنّ أنماطاً من التصديقات لا وجود فيها للحد الأوسط منها: البديهي، والمتواترات، والمجرّبات. كما أنّ المقدمتين لا ضرورة لوجودهما في علم نظري فالدليل قد يكون من مقدمة واحدة وقد يكون من مقدمتين وقد يكون من ثلاث مقدمات.

ويوجه النقد إلى حد المناطقة بأنه لا يصور المحدود، إنما هو تصوير للماهية، والماهية تابعة لما يتصوره الذهن، وليست تابعة إلى الحقائق ذاتها في الخارج، وكل فرد يمكن أن يخترع ماهية في نفسه تغاير ما اخترعه الآخر، لذلك فإنّ الحد الأصولي أقرب إلى معرفة المحدود من حد المناطقة من جهة كونه يصوّر بالمشاهدة والمعاينة التي تؤدي إلى التمييز بينه وبين غيره، وهو في هذا أوجز وأجمع وأخصّ. وأما القول بأنّ التصديق لا ينال إلا بالقياس فهذه القضية غير صحيحة لعدم وجود دليل على صدقها، وأنّ مدار الاستدلال على مادة العلم لا على صورة القياس.

والخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها جواباً على السؤال الذي طرحناه كعنوان لهذا المقال وهو: أيهما أكثر صواباً: القياس الأصولي أم المنطقي؟ نجد أنّ الجواب على هذا السؤال مرتبط بسؤال آخر: هل العلم يأتي من القضية الجزئية أم القضية الكلية؟ الحقيقة إنّ العلم يأتي من القضية الجزئية، وفي المقدمة الكبرى التي ذكرناها في القياس المنطقي وهي “”كل إنسان فان”” فإنّ هذه المقدمة جاءت نتيجة للعلم بأنّ فلاناً مات، وبأنّ فلاناً الثاني مات، وبأنّ فلاناً الثالث مات، إلخ … وهكذا حتى تتكون لدينا القاعدة الكلية: “” كل إنسان فان””، إذن العلم بدأ بالقضية الجزئية وانتهى بالكلية، وهو ما أيدته العلوم الحديثة فقد بدأت أوروبا تتخلّى عن القياس المنطقي، وتضع أسساً تلتقي فيها مع الأسس التي يقوم عليها القياس الأصولي.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *