إعلان الخلافة.. رؤية شرعية

print
اختارت دولة العراق والشام الإسلامية أن تسمي نفسها دولة الخلافة الإسلامية، بعد أن تسمت قبل ذلك بدولة العراق الإسلامية. وقد جاء هذا الإعلان عن “دولة العراق الإسلامية” إعلانا أوليا تفرعت عنه كل تلك التسميات بعد ذلك، فإلى أي حد يمكن أن نعتبر ذلك الإعلان قد استوفى الشروط الشرعية؟

لقد أصدرت “وزارة الهيئات الشرعية في دولة العراق الإسلامية” كتابا تحت عنوان “إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام” أعده “مسؤول الهيئة الشرعية”، بيّن فيه النظرية التي اعتمدها المجاهدون في إقامة دولتهم الإسلامية في الواقع، وكشف الأسباب والدواعي التي وفرت الظروف المناسبة لبروز هذه الدولة.

وقد احتوى كتاب “إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام” على مقدمة ممهورة بتوقيع المتحدث الرسمي باسم “دولة العراق الإسلامية”، مما يؤكد أن هذا الكتاب هو تعبير عن رؤية شرعية في مبررات إنشاء الدولة الإسلامية، لذلك تعني مناقشة هذا الكتاب مناقشة كلام حقيقي منسوب لـ”دولة العراق الإسلامية” التي هي الأصل في خلافة أبي بكر البغدادي.

وتضمن الكتاب عدة فصول، وجاء “الفصل الأول” محتويا على عنوانين، هما “وجوب قيام الدولة المسلمة”، “وأهمية الدولة الإسلامية”، ونحن نتفق مع الكاتب فيما ورد في هذا الفصل من وجوب قيام الدولة الإسلامية وأهميتها.

ثم حمل الفصل الثاني عنوان مشروعية قيام دولة العراق الإسلامية، وقد احتوى ذلك الفصل فقرة تحمل عنوان “نبذة مختصرة عن الطريقة الشرعية في تنصيب الإمارة”، (ص: 12) وقد جاء فيها:

“اتفق أهل العلم على أن الإمامة تنصب وفقا لطرق ثلاثة:

الأول: عن طريق بيعة أهل الحل والعقد من المسلمين لرجل يختارونه اكتملت في حقه صفات الأهلية المطلوبة للإمامة.

الثاني: عن طريق عهد الإمام لرجل من المسلمين من بعده، أو لعدد منهم يختار منهم أهل الحل والعقد إماما.

الثالث: عن طريق الغلبة والقهر بالسيف، عند حلول الفتن وخلو الزمان عن الإمام، وتباطؤ أهل الحل والعقد عن تنصيبه، فيشرع وقتها لمن تغلب بسيفه من المسلمين ودعا للبيعة وأظهر الشوكة والأتباع أن يصير أميرا للمؤمنين، تجب طاعته وبيعته ولا يحل لأحد منازعته.

ثم وازن الكاتب بين الطرق الثلاثة، فوجد أن الطريق الثالث هو المناسب لإقامة “دولة العراق الإسلامية”، فاعتبر أن امتلاك “مجلس شورى المجاهدين” القوة وسيطرته على مساحة واسعة من أرض العراق في محافظة الأنبار وغيرها أهّله لإعلان “دولة العراق الإسلامية”.

والحقيقة أن الكاتب أصاب في تحديد طرق تنصيب الإمام والتي نقلها عن كتاب الأحكام السلطانية للماوردي وغيره، ولكنه أخطأ في إنزالها على واقع “دولة العراق الإسلامية” وقد برزت عدة أخطاء في كلام الكاتب، وهي:

الخطأ الأول: عندما اعتبر أن “حلف المطيبين” الذي دخل فيه “مجلس شورى المجاهدين” وهو مشكل من سبع جماعات جهادية ومنها “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” التي رأسها أبو مصعب الزرقاوي، وهي فرع القاعدة في العراق التي امتلكت الشوكة وحققت الغلبة في الأنبار وغيرها، فجاء حكمها شرعيا، لأنها جاءت عن الطريق الثالث في الطرق التي قننتها كتب الأحكام السلطانية، وهي “حكم المتغلّب”.

ولكن عند التدقيق نجد أن “الحاكم المتغلب” كان يزيل “الحاكم المتغلب عليه”، فعندما جاء “السلجوقيون” إلى بغداد عام 450هـ، واستلموا الحكم عن طريق الغلبة، أزالوا نهائيا حكم “البويهيين” الذين كانوا قبلهم، وأدالوا دولتهم، ويقاس على ذلك “المرابطون” و”الموحدون”، “فالموحدون” عندما حكموا المغرب أزالوا نهائيا “دولة المرابطين”، وكذلك الشأن في العباسيين والحمدانيين والأخشيديين والطولونيين والطاهريين والأدارسة.. إلخ، فحتى يتحقق “حكم المتغلب” يجب أن يزيل “حكم المتغلب عليه” السابق، ويبعده عن الحكم نهائيا، ويقضي عليه، ويزيل كل معالم سيطرته على الدولة.

ولكن فيما يخص “دولة العراق الإسلامية”، فهي لم تتغلب على نوري المالكي الحاكم السابق، والمحتل الأميركي للعراق، ولم تزل حكمهما، وتتغلب عليهما، وهو المقصود من “حكم المتغلب”، لذلك نعتقد أن “مجلس شورى المجاهدين “لم يحقق المقصود في الطريقة الثالثة من طرق الحكم الشرعي، ولم يحقق مضمونها، وهي إزالة “حكم المتغلب عليه” والقضاء عليه، بل احتلوا فضاء من الأرض، لذلك فإن حكمهم يعد غير شرعي.

الخطأ الثاني: أجروا مقارنة بين “دولة العراق الإسلامية” و”دولة المدينة” التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجدوا أن الأرض التي احتلوها في الأنبار وغيرها من الأرض في العراق أوسع من “دولة المدينة” وقد اعتبروا هذا يبرر إعلان الدولة.

وقد أشاروا إلى هذا المعنى مرتين، الأولى: أوردها كاتب “إعلام الأنام” حيث قال في صفحة 26 “والمجاهدون في العراق اليوم يسيطرون على بقاع من الأرض هي بفضل الله أضعاف أضعاف البقعة التي أقام عليها النبي صلى الله عليه وسلم دولته الأولى، فالمناط الشرعي في قيام الدولة متحقق لوجود المعنى الذي قامت عليه الدولة الأولى، وهو التمكين على بقاع هي أكبر من تلك التي ترعرعت عليها الدولة الأولى”.

الثانية: أوردها أيمن الظواهري في حديثه عن قيام “دولة العراق الإسلامية” في أكثر من مناسبة.

وقد أخطأ كل من كاتب “إعلام الأنام” وأيمن الظواهري في المقارنة بين “دولة العراق الإسلامية” و”دولة المدينة” التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تبين الخطأ في عدم إدراكهم لواقع السلطة في الجزيرة العربية: فلم تكن السلطة متمثلة بدولة، كما هو في الدول التي تقع في جوار الجزيرة العربية، حيث كانت تقوم “دولة الفرس” و”دولة الروم” و”دولة الغساسنة” و”دولة المناذرة” التي تمتلك جيوشا وشرطة ووزراء وأجهزة إدارية.

فالسلطة في مكة كانت مختلفة، وتمثلت بأشخاص ذوي نفوذ اجتماعي وعائلي كأبي جهل وأبي لهب وأبي طالب والوليد بن المغيرة، ولم تكن تملك شرطة أو جيشا أو وزراء، لذلك عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة لم يستطع أبو جهل أن يلاحق الرسول لأنه لا يملك شرطة أو جيشا، ولأن سلطته انتهت عند حدود مكة.

وعندما أنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم سلطة في المدينة، كانت -على الأقل- مكافئة لسلطة أبي جهل في مكة إن لم تكن أرقى، وكانت مشروعا لدولة واجهت بعد ذلك دولتي فارس والروم.

لذلك عندما أجرى أيمن الظواهري وكاتب “إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام” مقارنة بين “دولة العراق الإسلامية” و”دولة المدينة” فإنهما ركزا على عامل مساحة الدولتين وأغفلا حقيقة التكافؤ بين سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة وسلطة أبي جهل في مكة، ليس هذا فحسب، بل كانت “دولة المدينة” -في البداية- مكافئة في سلطتها لكل الكيانات القائمة في الجزيرة العربية مثل السلطة في الطائف واليمامة وتيماء وتبوك… إلخ.

ويمكن أن تكون الصورة أكثر جلاء عند المقارنة بين حالتي الرسولين الكريمين محمد صلى الله عليه وسلم والمسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فقد لوحق الرسولان من قبل سلطتي مكة وروما، وعندما خرج الأول من مكة وهاجر إلى المدينة أصبح في سلطة مكافئة لأبي جهل، أما عيسى عليه السلام، فعندما لاحقه قيصر روما أرسل شرطته وعسكره، فلاحقوه في كل فلسطين، ثم قرروا اعتقاله، وكانوا يريدون أن يقتلوه لكن الله رفعه إليه، واختلاف النتائج في حالتي الرسولين الكريمين هي -من عوامل أخرى- في اختلاف نوع السلطتين اللتين لاحقتهما، وهذا ما لم يتنبه له الكاتبان: مسؤول الهيئة الشرعية وأيمن الظواهري.

الخطأ الثالث: أخطأ كاتب “إعلام الأنام” في إسقاط مصطلح “دار الحرب ودار الإسلام” على واقع العراق، وقد استخدم هذا المصطلح في الرد على من اشترط وجود “دار إسلام” من أجل تنصيب إمام في مجال تفنيده للشبهة الثانية التي أثارها خصوم الدولة الإسلامية في الصفحة 61 والتي بدأها بقوله “سيقال: دولتكم المعلنة تفتقر للشرعية لأنها أقيمت مع وجود محتل غاز للأرض، فلو أنكم انتظرتم حال خروجه من العراق، ثم قمتم بإنفاذ مرادكم لكان أحرى وأليق بالقبول!”.

وقد استُخدِم -بكل أسف- مصطلح “دار الحرب ودار الإسلام” في الساحات الجهادية بشكل كبير لدى معظم الفصائل الجهادية في نصف القرن الماضي، وكانت له نتائج كارثية في بلبلة مسيرة الأمة، ومن الواضح أن المصطلح هو مصطلح فقهي وليس له أصل في قرآن ولا سنة، ولكنه نشأ لتوصيف واقع تاريخي معين، ولإصدار أحكام فقهية تضبط مسار الأمة، وتسدد مسيرتها في مجال التعامل مع أعداء الأمة.

ومن الجلي أيضا أن وجود “دار الإسلام”، يقام فيها شرع الله، هو الذي يحدد كون الدار الأخرى “دار حرب”، لذلك فإن إلغاء “الخلافة الإسلامية” في إسطنبول عام 1924، وهي آخر دولة تطبق الشريعة الإسلامية ألغى “دار الإسلام”، وبالتالي لم يعد هناك وجود لـ”دار الحرب”، ولذى فإن اعتبار ديار المسلمين التي لا يطبق فيها شرع الله “دار حرب” خطأ فقهي، لأن وجود “دار الحرب” مرهون بوجود “دار الإسلام”، فلما لم تكن هناك “دار إسلام” فقد انتفى مصطلح “دار حرب”، ولا يجوز إسقاط الأحكام الفقهية المرتبطة بهذا المصطلح على المسلمين، فعلينا أن نوجد أولا “دار إسلام” لتكون هناك “دار حرب”.

وطالما بينا خطأ إسقاط هذا المصطلح على واقعنا الحالي، فبماذا نصف المسلمين في هذه البلدان التي لم تعد محكومة بشريعة الله الآن؟

الحقيقة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنى في حياته ثلاثة أمور: المسلم أولا، والأمة ثانيا، والدولة ثالثا، فعندما سقطت الدولة بقي أمران: المسلم والأمة.

لذلك نصف المسلمين الموجودين الآن في أية أرض من ديار المسلمين بأنهم جزء من “الأمة الإسلامية” التي كانت موجودة على مدار التاريخ من حين أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوقت الحاضر، مع قيام عشرات الدول وسقوطها من مثل دولة الأمويين والعباسيين والبويهيين والسلجوقيين والزنكيين والأيوبيين والمماليك والموحدين والمرابطين … إلخ، التي لم تؤثر في وحدتها رغم قيام كل تلك الدول وسقوطها.

من الواضح والجلي أن هذه الأمة هي الحقيقة الحية الجماعية التي بقيت على مدى 14 قرنا تحمل القرآن الكريم، وتطبق أحكامه، وتعظم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوالي أصحابه، وتجسد قيم الإسلام ومبادئه في إعمار الأرض، وتكريم بني آدم، وتحيي أخلاق الإسلام ومثله، لذلك نعتقد أنه يجب أن تنطلق قيادات العمل الإسلامي والجماعات الإسلامية في العصر الحاضر من حقيقة هذا الوجود للأمة الإسلامية، وتبني عليها، وتنمي خيرها، وتعالج أمراضها، فهي الرصيد الحقيقي الذي يجب أن ننتبه له ونعيه ونحافظ عليه.

والسؤال الآن: بماذا نعامل مسلمي هذه الأمة الإسلامية في مختلف الأراضي والديار والدول؟ هل نعاملهم بأحكام “دار الحرب” أم “دار الإسلام”؟ أعتقد أننا لا نعاملهم بأحكام “دار الإسلام” لعدم وجود إمام يطبق شريعة الإسلام، ولا نعاملهم بأحكام “دار الحرب”، لأن أحكام “دار الحرب” مرهونة بوجود “دار الإسلام” وأعتقد أننا يجب أن نعاملهم بموجب “فتوى ماردين” لابن تيمية التي أطلقها جوابا على سؤال جاءه حول ماردين التي استولى عليها التتار: هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟

فقال رحمه الله “وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة “دار السلم” التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين. ولا بمنزلة “دار الحرب” التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه”.

أخيرا، فقد استعرضنا فيما سبق جانبا من كتاب “إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام” الذي صدر عن “دولة العراق الإسلامية” وأصّل لقيام “الخلافة “، لكننا وجدنا أن الكاتب وقع في أخطاء تجعلنا نقول بعدم شرعية قيام هذه الدولة والخلافة.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *