حول الاقتتال الأخير بين “حماس” و “فتح” في غزة

print
بسم الله الرحمن الرحيم

لقد وقع الاقتتال في غزة بين “”حماس”” و “”فتح”” على مدى الشهور الماضية خلال عام 2007 قبل اتفاق مكة في شهر شباط (فبراير) 2007 و بعده، ثم بلغ الاقتتال ذروته في 15 حزيران (يونيو) 2007

 وسيطرت “”حماس”” على كل المقار الأمنية و الحكومية في غزة، وكنت قبلها قد كتبت مقالا حول ضعف المراجعات عند الحركة الإسلامية المعاصرة، و اعتبرتها عاملا رئيسيا في فشل الحركات الأسلامية، لأنه أفقدها تكامل التجارب، و منع عنها بناء اللاحق على السابق، و ضربت امثلة على ذلك بعدد من التجارب الإسلامية المعاصرة منها: تجربة الجهاد الأفغاني، و تجربة جبهة الإنقاذ في السودان، و دعوت “”حماس”” في نهاية المقال أن تفعل جانب المراجعة و التقويم و الفحص، كما دعوتها إلى الإنحياز إلى الأمة، و الآن بعد الذي وقع في غزة في 15-7-2007 ما زال المطلوب من حماس أن لا تنجر وراء التحرير الموهوم الذي أنجزته “”فتح””، بل المطلوب أن تنشىء تحريرا حقيقيا يكون بداية للتحرير الكامل لفلسطين و للمنطقة كلها، و ها نحن ننشر المقال السابق الذي أشرنا إليه تحت عنوان “”على حماس أن تراجع مسيرتها لا كما فعلت الحركات الأخرى”” في زاوية كلمة المشرف و في زاوية “”قضايا معاصرة”” فيه دعوة موجهة إلى “”حماس”” و الحركات الإسلامية المعاصرة بشأن المراجعة والإنحياز إلى الأمة، و لايمكن أن تستقيم أمور الحركات الإسلامية المعاصرة إلا اذا امتلكت مثل هذه الأدوات التي أشرنا إليها، و أخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المشرف

الشيخ الدكتور غازي التوبة

الخميس 27 من جمادى الأخرة 1428 هجرية
12 تموز (يوليو) 2007 م

  

على “”حماس”” أن تراجع مسيرتها لا كما فعلت الحركات الأخرى

ربما كان أبرز عامل في تكرار الفشل في تجارب الحركات الاسلامية غياب تراكم الخبرات الايجابية فيها، فالمفترض في التجارب الاسلامية أن يكمل بعضها بعضاً، وأن يبني اللاحق على السابق، وأن يأخذ بصواب عمله ويتجنّب خطأه، لكننا نجد أن كل تجربة عمل إسلامية تبدأ من الصفر، وتكرر أخطاء سابقيها، وتقع في نفس الحُفَر. والسبب الرئيسي في ذلك هو غياب المراجعات والتقويم والنقد لكل تجربة على حدة. فلو أخذنا أقدم تجربة إسلامية معاصرة وهي تجربة الجهاد الإسلامي في أفغانستان، فقد بدأت هذه التجربة عندما جاء الحكم الشيوعي الى أفغانستان في نهاية عام 1979، وتعتبر تجربة الجهاد الأفغاني من أغنى التجارب الإسلامية في اتساع الشرائح التي استقطبتها، وفي تنوّع الجماعات التي ساهمت فيها، وفي تفاعل العوامل المحلية والاقليمية والدولية معها، وحجم الآمال التي بُنيت عليها، وإذا رصدنا المراجعات التي رصدتها ودرستها وقوّمتها أثناء الجهاد الأفغاني وبعده فسنجد الأمر مفجعاً، إذ سيتبين لنا أن المراجعات التي تحدثت عن تجربة الجهاد الأفغاني أثناء وقوعه كانت صفراً، بل كانت المراجع الفاعلة في الجهاد الأفغاني تحرّم أي نقد وتقويم بحجة عدم التثبيط وعدم إثارة عوامل الفرقة، وأما المراجعات بعد انتهاء التجربة فهي قريبة من الصفر على المستوى العربي الإسلامي، وأهمّ المراجعات التي صدرت كانت بأقلام بعض الصحافيين والكتّاب الغربيين وبلغات أجنبية، مع أن واقع التجربة الأفغانية كان يعجّ بالفساد والاضطراب والفوضى في مختلف المجالات العسكرية والإدارية والقبلية والمذهبية والمالية الخ…، وذلك يستدعي مئات الدراسات وليس العشرات حول تلك الأوضاع المضطربة. ومن الملاحظ أنه إذا حدثت مراجعات لأية تجربة إسلامية، وقلما يحدث ذلك فإنها تأخذ منحى شخصياً كما حدث في تجربة الإنقاذ في السودان، فقد اتهم جناح حسن الترابي الأطراف التي أزاحته عن السلطة بتمكّن شهوة السلطة عندها، وفي هذا تسطيح للموضوع وتبسيط، وفي هذا تزكية للنفس كان الولى الابتعاد عنها، والاقتصار في الحديث عن الأسباب الموضوعية التي أدت الى التصادم، والى تمزق السودان بعد ذلك.

 

والمشكلة في كل التجارب الإسلامية السابقة سواء كانت في الجزائر أم في أفغانستان أم في السودان أم في الصومال الخ… أن فشلها لا تنعكس آثاره على التنظيم الإسلامي وحده أو القائمين عليه، بل تنعكس آثاره على البلد كله وعلى المنطقة وعلى الأمة بحملتها. فعندما خرج السوفيات من أفغانستان وحان قطف ثمرة الجهاد الأفغاني السابقة، وجدنا أن أفغانستان تقسمت الى عدة مقاطعات بين نجيب الله وأحمد شاه مسعود وحكمتيار وسيّاف ورباني الخ…، ثم برزت طالبان وسيطرت على القسم الجنوبي من أفغانستان وبقي أحمد شاه مسيطراً على الجزء الشمالي منها، ثم انتهت ممارسات طالبان الفجة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 باحتلال أفغانستان من قبل أميركا في نهاية عام 2001، وكانت النتيجة أن الخسارة لم تنحصر في تنظيم طالبان، بل انعكست الخسارة على كل أفغانستان وعلى المنطقة حولها، فقد أصبحت أفغانستان بلداً محتلاً من جهة، وأصبحت منطقة وسط آسيا الغنية بالبترول مرتعاً خصباً للتدخل الأميركي من جهة ثانية. كذلك السودان فبعد أن تصدّعت قيادة جبهة الإنقاذ في السودان الى طرفين هما: طرف عمر البشير وطرف حسن الترابي. فالخسارة لم تتوقف على ضعف جبهة الانقاذ وتفككها بل تعدت ذلك الى تدمير السودان، فالواضح أن السودان يتجه في المرحلة القادمة الى التجزئة والتقسيم، فها هو الجنوب الذي تتحكم فيه جبهة جون جارنج يحتمل أن ينفصل عن الشمال في وقت قريب، وها هو المجتمع الدولي يقود فصل دارفور في الغرب، وستكون النتيجة انتهاء السودان الموحد الذي كان أملاً للأمة في أن يكون سلتها الغذائية. وهذا هو الصومال لم تتوقف الخسارة فيه على إقصاء جماعة المحاكمة الإسلامية عن الحكم، بل تعدتها الى أن أصبح الصومال محتلاص من قِبَل أثيوبيا.

 

والآن نعود الى «حماس» ونتساءل: هل ستنتهي تجربة الحكم التي بدأتها في كانون الثاني (يناير) 2006 عندما حصلت على غالبية المقاعد التشريعية كما انتهت سابقاتها من التجارب الإسلامية، ليس بالخسارة عليها وحدها، بل بتراجع القضية الفلسطينية وهو الأهم؟ وكيف يمكن أن تتجنب «حماس» ذلك وبخاصة أن شبح الحرب الأهلية بدأ يظهر من خلال ما نراه الآن من اقتتال بين فصائل «فتح» و «حماس»؟ الأرجح أن تفعيل المراجعة والتقويم والفحص لما سبق من وقائع وأفعال هو أحد الوسائل الناجعة لتحقيق ذلك، وإن أية مراجعة بسيطة لما سبق فستجد أن أبرز خطأ وقعت فيه «حماس» هو خوضها الانتخابات في ظل الاحتلال، فهي التي قادتها الى أن تحاصر، ويحاصر الشعب الفلسطيني معها، إذ كيف تتوقع أن تحصل على نتائج ايجابية في ظل دولة منقوصة السيادة ان لم نقل أنها معدومة؟ فعلى «حماس» وأنصارها أن يفعّلوا أدوات المراجعة والنقد والتقويم والفحص لكل الخطوات السابقة، والتوصل الى ما هو أنجع وأفيد، فقد يقتضي ذلك التخلي عن الحكم والانحياز الى الأمة.

 

 

 

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *