نجاح «حماس» … وأخطاء «فتح»

نجاح «حماس» … وأخطاء «فتح»

print

مرت القضية الفلسطينية في العصر الحديث بمراحل هي:

1- مرحلة القومية العربية التي بدأت نهاية الحرب العالمية الاولى، اذ حكم الفكر القومي العربي العراق وبلاد الشام، وسادت الفكرة القومية العربية معظم الاحزاب التي قامت فيهما،

كما كان النهج القومي العربي هو الاصل في بناء الثقافة والتربية والعلوم والفنون الخ…، وكانت القيادات ذات التوجهات القومية العربية هي الفاعلة في توجيه القضية الفلسطينية، وفي رسم معالمها، واتضح ذلك من دور الملك فيصل ملك العراق في المفاوضات التي اجراها مع حاييم وايزمن زعيم المنظمة الصهيونية آنذاك من اجل تحديد دور اليهود في فلسطين في مرحلة مبكرة من تاريخ القضية الفلسطينية، وفي اثناء مفاوضات الحلفاء في باريس لتوزيع تركة الخلافة العثمانية. كما يتبين ذلك من النداء الذي وجهه الزعماء العرب لوقف الثورة الفلسطينية عام 1938، ودخول الجيوش العربية في 15 ايار (مايو) عام 1948 الى فلسطين بقيادة الملك عبدالله ملك الاردن الخ…، وانتهت هذه المرحلة عام 1967 عندما هزمت الجيوش العربية أمام اسرائيل واحتلت اسرائيل سيناء المصرية والجولان السوري والضفة الغربية لنهر الاردن، وحمّلت الجماهير العربية الانظمة ذات النهج القومي العربي في مصر وسورية والعراق مسؤولية النكسة، لأنها استلمت الحكم بدعوى تحرير فلسطين وازالة اسرائيل من الوجود.

2- المرحلة الوطنية: بدأت عام 1968 عندما أزاح جمال عبدالناصر احمد الشقيري عن رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية وأسندها الى ياسر عرفات. وجاءت هذه الخطوة من القيادة المصرية في تمكين حركة «فتح» من الاستيلاء على منظمة التحرير بقصد امتصاص مشاعر الغضب والنقمة بعد الخسارات الفادحة التي اعقبت نكسة حزيران (يونيو) 1967. وقام عرفات و «فتح» بتعديلين اساسيين في مسار القضية الفلسطينية هما:

الأول: اعتبار القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين بعدما كانت قضية الامة العربية والاسلامية، فباتت منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولها وحدها حق اتخاذ القرارات المتعلقة بهذا الشعب. وطبقت ذلك بأن فاوضت اسرائيل ثم وقعت اتفاقات أوسلو في البيت الابيض في ايلول (سبتمبر) 1993 من دون العودة الى أي مرجعية عربية أو اسلامية. ويؤكد ذلك التوجه ايضاً بروز شعار «القرار الفلسطيني المستقل» في تلك المرحلة والنضال من اجل تكريسه. وقد شهد التاريخ القريب للقضية تداخلاً وتفاعلاً بين الرأي الفلسطيني والرأي العربي من خلال مؤسسة الجامعة العربية وغيرها، ولم ينفرد أي من الرأيين في بلورة موقف من القضية، ومن الراجح ان يكون حصل نوع من الظلم للشعب الفلسطيني في بعض مراحل التاريخ الماضي، لكن يمكن الاستفادة من تلك التجارب في انشاء مؤسسات عادلة تستوعب الرأيين وتتيح التفاعل بينهما ليخرج رأي في مصلحة القضية والأمة. فمن المؤكد ان الشعب الفلسطيني لا يقوى – وحده – على اسرائيل بحال من الاحوال، وسيكون ميزان القوى راجحاً لاسرائيل في حال الانفراد بالمواجهة. كما ان اسرائيل لا تهدد الشعب الفلسطيني وحده، بل لها أهداف تتعدى ارض فلسطين. وخلاصة الامر ان حقائق التاريخ والجغرافيا والواقع توجب ترابط قضية فلسطين بالأمة، وتوجب ترابط الأمة مع قضيتها الفلسطينية.

الثاني: اعتبار القضية الفلسطينية قضية قتال مع اسرائيل فقط، وتجريدها من الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية الخ…، فمن المتعارف عليه قبل انطلاقة «فتح» عام 1965 ان النكبة وقعت نتيجة القصور في الجوانب الحياتية المختلفة للأمة، وان الانتصار على اسرائيل سيأتي نتيجة العافية والعلاج والتصويب لمختلف تلك الجوانب، وهذا يحتاج الى عقيدة وأيديولوجيا ومنهاج، وهذا ما آمنت به كل القيادات الفكرية والسياسية في الامة خلال القرن الماضي، ودعت اليه، لذلك جاءت طروحات عرفات و «فتح» مخالفة لما تعارفت عليه الامة، ومخالفة لكل التوجهات الفكرية التي كانت تعج بها الساحة الثقافية في القرن الماضي.

وانتهت هذه المرحلة الوطنية عندما فشلت «فتح» في الانتخابات التشريعية التي جرت في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي امام «حماس». ومن المرجح ان هذا الفشل تعبير عن الطريق المسدود الذي وصل اليه النهج الوطني، اذ لم يستطع أن يحقق شيئاً من الاهداف التي سعى اليها، وأبرزها الدولة الفلسطينية المستقلة على رغم كل التنازلات التي قدمتها في اتفاق اوسلو.

3- المرحلة الاسلامية: جاء نجاح «حماس» في الانتخابات التشريعية إيذاناً ببداية مرحلة جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية، وهناك مطالب تواجه «حماس» في هذه المرحلة الجديدة. لكن المطلوب الأبرز اعادة القضية الفلسطينية الى وضعها الطبيعي، وإلغاء التعديلين اللذين احدثتهما «فتح» وعرفات في مسار القضية الفلسطينية، فما هي الخطوات التي يجب ان تقوم بها «حماس» من اجل اصلاح الخطأين اللذين قامت بهما «فتح».

وبالنسبة الى تصحيح الخطأ الاول، في مجال اعادة ربط القضية الفلسطينية بالأمة، يجب ألا تكتفي «حماس» بمناشدة الحكومات والدول والشخصيات، لأن هذا ما كان يقوم به عرفات في السابق. بل المطلوب من «حماس» ان تشخّص الموقف الفلسطيني في هذه اللحظة، وفي أي لحظة مقبلة، سياسياً ومالياً واعلامياً، وتدعو الحكومات والدول والشعوب والشخصيات والاحزاب الى هذا الموقف ودعمه، وبهذا الاسلوب يمكن ان تعيد حماس القضية الفلسطينية الى الامة، وتربط بين الامة وبين قضيتها.

اما الخطأ الثاني وهو اعتبار قضية فلسطين قضية قتال مع اسرائيل فقط، فيمكن ان تصححه «حماس» بأن تفعّل أحكام الاسلام العقائدية والتربوية والثقافية والسياسية والقتالية والاخلاقية والفنية في مجالات بناء الفرد والجماعة والشارع والمجتمع والسلطة الخ…

ان اصلاح خطأي «فتح» هو الامر الاهم الذي تواجهه «حماس» من اجل إحداث تغيير نوعي في الساحة الفلسطينية، فهل تبادر الى ذلك؟




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *