حقيقة التوحيد وجوهره (الجزء الرابع)

print

طاقة الحب أصلية وغنية ومتشبعة في نفس الإنسان فهو يحب الشهوات والمال والولد، والقوم، والوطن، قال تعالى: “”زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا”” (آل عمران،14). “”وتحبون المال حباً جماً”” (الفجر). وقال تعالى: “”وإنه لحب الخير لشديد”” (العاديات,8).

وعلى هذه الطاقة يقوم عمران الكون، وبها تستمر دورة الحياة، فلم يخلقها الله عبثاً، تعالى الله عن العبث، لكنه طلب من المسلم أن يكون حبه لله ولرسوله أكثر من كل المحبوبات التي تشعبت إليها، قال تعالى: “”قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين”” (التوبة،24).

        ليس من شك بأن هذا الطلب القرآني طلب حق، لأنّ الله هو فاطر هذه الشهوات وهو القادر على إشباعها وإروائها وهو الذي هيّأ لذلك مئات الأسباب بل آلافها وهو القادر على أخذها.

        والله تعالى جدير بأن يحب ليس فقط لأنه أشبع شهواتنا فأعطانا المال والولد إلخ…، بل لأن نعمه تعالى أكثر من أن تحصى، وأجلّ من أن تعد: فهو الذي خلق الإنسان من العدم في أحسن صورة، وكرّمه على بقية المخلوقات، وأمدّه بكل أسباب الحياة، وسخّر له الشمس والقمر والليل والنهار إلخ…، وسخّر له كل ما في الأرض، وتفضّل عليه بإرسال الرسل، وخلق الجنة لإثابة الطائع، والنار لمعاقبة العاصي.

        لو تأمّلنا بعض النعم البسيطة التي نغفل عنها ونستهين بها: شربة الماء التي نشربها، أو حبة القمح التي نلوكها، أو التمرة التي نستمتع بأكلها، لوجدنا أنها احتاجت إلى عشرات الشروط، ومئات الموافقات وآلاف المعادلات، حتى وصلت إلينا، ومع كل هذه النعم فإنّ الإنسان في بعض حالاته يحب غير الله وهي حالات مرضية من غير شك.

        وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى مستنكراً ومقرّراً أنّ المؤمنين أشد حباً لله تعالى:

“”ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله”” (البقرة،165).




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *