القابلية للإستعمار عند مالك بن نبي: نظرة فاحصة

print

مرّت مائة سنة على ولادة مالك بن نبي وجرى الحديث المتعدّد عن بعض أفكاره، وأبرز الأفكار التي تناولها الحديث فكرة “”القابلية للاستعمار””، مع أنّ أفكاراً أخرى أجدر بالحديث والإشادة والصوابية من مثل: ربطه مشاكل الأمّة بالأمور الحضارية، وحديثه عن أساليب الاستعمار إلخ…، وفي رأيي أنّ فكرة “”القابلية للاستعمار”” أضعف أفكاره، وأقلّها صوابا وبخاصة عندما ارتبطت هذه الفكرة بأمر آخر هو كلامه عن بلوغ عوامل التعارض الداخلية قمّتها في نهاية عهد دولة الموحّدين، ولم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة ، بل أضحت عناصر خامدة ليس بينها صلة مبدعة، وربط مالك بن نبي بين الانحطاط وبين القابلية للاستعمار فاعتبر أنّ هذه القابلية للاستعمار عامل باطني يستجيب للعامل الخارجي، وأبرز مظاهر هذا العامل الباطني: البطالة، وانحطاط الأخلاق الذي يؤدّي إلى شيوع الرذيلة، وتفرّق المجتمع الذي يؤدّي إلى الفشل من الناحية الأدبية.

        فهل صحيح أنّ الأمّة وقعت في الانحطاط الذي أدّى إلى موات المجتمع من ناحيتي العقل والترابط؟ فهل توقّف العقل العربي عن الإبداع والفاعلية والحركة منذ عهد الموحّدين؟ وهل تفكّك المجتمع وتشرذمت الأمّة وزالت عوامل الوحدة وانتهى الناس إلى روابطهم الفردية؟ ليس من بأنّ هذا التصوّر غير صحيح مع الإقرار بوجود أمراض متعدّدة، أثّرت على أوضاع الأمّة ومسيرتها منذ عهد الموحّدين، وأضعفت حيويتها، وقلّلت فاعليّتها.

        أمّا عن الشقّ الأول من التوصيف وهو الزعم بأنّ العقل العربي توقّف عن النشاط والإبداع فأبرز ما يدحضه توصُّل الدكتور جورج صليبا في كتاب جديد له صدر بتاريخ عام 1999 تحت عنوان “”الفكر العلمي: نشأته وتطوّره”” إلى نتائج مخالفة لما طرحه مالك بن نبي، لأنه اتبع منهجية جديدة في دراسة العلوم العربية، قامت هذه المنهجية على رصد التطورات العلمية للعلوم العربية وعلى عدم الانطلاق من نظريات مسبقة، وطبق ذلك على علم الفلك فتوصّل إلى أنّ العصر الذهبي لعلم الفلك العربي هو العصر الذي يطلقون عليه عصر الانحطاط بالنسبة للعلوم العربية بشكل عام، وأشار في هذا الصدد إلى نظريات ابتدعها نصير الدين الطوسي في كتابيه “”تحرير المجسطي”” الذي ألفه عام 1247م، و “”التذكرة في الهيئة”” الذي ألفه بعد الكتاب السابق بنحو ثلاث عشرة سنة، وقد أفرد الطوسي فصلاً كاملاً للرد على علم الفلك اليوناني ولإقامة هيئته البديلة، وفي أثناء هذا العرض استخدم الطوسي مرة ثانية النظرية الجديدة التي كان قد اقترحها بشكل مبدئي في كتاب “”تحرير المجسطي””، وإذا بهذه النظرية تظهر هي الأخرى بعد حوالي ثلاثة قرون في أعمال كوبرنيك بالذات وبالشكل الذي ظهرت فيه في “”تذكرة”” الطوسي.

        ولم يتوقف الأمر عند الطوسي وحده بل شمل الإبداع في علم الفلك عشرات من الآخرين في القرون التالية وكان من أبرزهم شمس الدين الخفري الذي كان معاصراً لكوبرنيك والذي كان يتحلّى بمقدرة رياضية ودراية في دور الرياضيات في صياغة العلوم، ندر أن يوجد مثلها في أعمال الذين أتوا قبل القرن السابع عشر الذي تم فيه فعلاً تكوين العلم الحديث.

انتهى الدكتور جورج صليبا إلى أنّ كل تلك الأحكام التي وصفت مرحلة ما بعد الموحّدين بالانحطاط بأنها لم تأت حصيلة دراسة موضوعية للوضع العلمي في تلك المرحلة، لذلك جاءت الأحكام غير علمية، وغير دقيقة، لذلك فهو يقترح على من يريد أن يُقوّم فترة من تاريخنا الحضاري أن يدرس الإنتاج العقلي والعلمي لتلك المرحلة لأحد العلوم، ثم عليه أن يصدر الحكم المناسب حسب النتائج التي يتوصّل إليها.

هذا في المجال العقلي، أمّا في المجال الاجتماعي فإنّ عوامل الوحدة في الأمّة أقوى بكثير من عوامل التفكّك، وهي مازالت فاعلة مؤثّرة، ويمكن أن نشير في هذا المجال إلى عامل الوحدة الثقافية الذي استند إلى اللغة العربية وإلى الدين الإسلامي الذي وحّد التصوّرات إلى عالم الغيب والشهادة، ووحّد القِيَم الخُلُقية المرتبطة بالحلال والحرام الشرعيين، ووحّد العادات والتقاليد التي تستمد جانباً كبيراً من مفرداتها من السنّة المشرّفة، ووحّد المشاعر المرتبطة بالآلام والآمال التي تتجلّى عند الكوارث والمصائب والاعتداءات كما حدث في غزوات الصليبيّين والمغول والاستعمار، والذي أدّى أن يساعد العرب بعضهم بعضاً في كثير من المواقع والأماكن.

إنّ قول مالك بن نبي بانحطاط الأمّة منذ عهد الموحّدين هو الذي أدّى إلى القول ب “”القابلية للاستعمار””، وقد اعتبر مالك بن نبي استعمار بلادنا قدراً محتوماً “”وضرورة تاريخية””، وهذا كلام غير صحيح بدليل أن فرنسا التي استعمرت الجزائر عام 1830م لم تستطع أن تستعمر مصر عندما غزاها نابليون عام 1798م، وليس معنى ذلك أن الجزائر كانت ذات قابلية للاستعمار في حين أن مصر لم تكن ذات قابلية للاستعمار، فإن النسيج الثقافي واحد في كلا البلدين، لكننا يمكن أن نفسّر نجاحه في الجزائر وفشله في مصر بعوامل خارجية سياسية واقتصادية ساعدت على نجاح الاستعمار في الجزائر ولم تساعده في مصر، من مثل انشغال الخلافة العثمانية بحرب البلقان حين احتلال فرنسا للجزائر، ومن مثل تردي الوضع الاقتصادي لدى الخلافة مما جعله ينعكس على الإنفاق العسكري بشكل خاص ومستوى العمل العسكري بشكل عام، مقابل تحسّن الوضع الاقتصادي لدى أوروبا مما ساعدها على زيادة الإنفاق العسكري، ومن مثل كون الجزائر مقابل الحدود الجنوبية لفرنسا إلخ…، ومما يؤكد ذلك أن المعلومات التاريخية تقول إن الجزائر كانت أقل أمية من فرنسا عندما احتلتها عام 1830م، وتقول كذلك إن ثلث أبنية مدينة الجزائر كانت أوقافاً مما يعطي قوة ورخاءً للوضع الاجتماعي الداخلي لم تكن تتمتع به باريس ذاتها.

        تحدّث مالك بن نبي عن “”القابلية للاستعمار”” باعتبارها عاملاً داخلياً وبيّن أن الاستعمار يريد منا البطالة، والجهل والانحطاط في الأخلاق، والتفرق والوساخة، وأن باطننا يستجيب لكل تلك الطلبات لأننا نملك “”القابلية للاستعمار””، هذا ما قاله مالك بن نبي في منتصف القرن العشرين، لكن مالك بن نبي لم يسأل نفسه: ما دور الاستعمار الفرنسي في وجود هذه الظواهر التي رصدها وبخاصة أن كلامه عن “”القابلية للاستعمار”” جاء بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر بأكثر من مائة سنة؟ الحقيقة أننا لا نجد أية إشارة إلى دور الاستعمار الفرنسي في تطوير مثل هذه الأمراض وتعميقها، مع أن الدراسة الفاحصة لمخططات الاستعمار الفرنسي تبيّن أنه حاول اقتلاع الشعب الجزائري اقتلاعاً كاملاً من جذوره الحضارية، وعمل على تدمير شخصيته العربية والإسلامية، واجتهد في تغيير هويته التاريخية، وفرض عليه التغريب بشكل قسري وكامل ، واعتبر الجزائر فرنسا ما وراء البحار، وجاء بالمستوطنين الذين أعطاهم أخصب الأراضي ، وفرض اللغة الفرنسية ، مما جعل مالك بن نبي وهو العربي المسلم لا يعرف الكتابة بلغته العربية ، لذلك ألّف كتبه الأولى باللغة الفرنسية ، ولم يستطع الكتابة باللغة العربية إلا في مرحلة متأخرة من حياته بعد أن جاء إلى المشرق العربي وأتقن اللغة العربية فيها.

ليس من شك بأن تلك الأفعال الاستعمارية من اقتلاع وتدمير وتغيير وتغريب كانت لها الآثار السلبية والتخريبية على المجتمع والإنسان الجزائريين في مختلف الأبعاد النفسية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية إلخ… كان لها دور كبير في التأسيس الحقيقي لـ “”القابلية للاستعمار”” كما رآها مالك بن نبي بعد مائة سنة من الاستعمار الفرنسي للجزائر.

الخلاصة إنّ مفهومي “”عصر الانحطاط”” و””القابلية للاستعمار”” يحتاجان إلى بحث معمّق جديد كما اقترح الدكتور صليبا سنصل إلى نتائج جديدة مخالفة أكثر صواباً مما طرحه مالك بن نبي.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *