نظاما تونس ومصر وفقدان الشرعية

print

انطلقت جموع الشعب في تونس (17 ديسمبر) وفي مصر (25 يناير) متمردة على استبداد نظامي زين العابدين بن علي وحسني مبارك، معبّرة عن التطلّع إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية… إلخ، ثائرة على الفساد الذي استشرى في كل أوصال سلطتيهما، مستهدفة إقرار الحريات الأساسية لكل أفراد الشعبين بعد أن افتقدها التونسيون والمصريون طوال حقبتيهما، والتي امتدت ما يقرب من عقدين إلى ثلاثة عقود.
 
فما الذي تعبر عنه هاتان الانتفاضتان في وجه الظلم والطغيان والفساد؟ إنهما تعبران بالدرجة الأولى عن فقدان النظامين: التونسي والمصري للشرعية، لذلك كان هذا التجاوب الكبير الذي عبّرت عنه مظاهرات مليونية شملت مدن تونس ومصر.
 
إن فقدان الشرعية من أخطر العوامل التي تجعل النظام هشا وآيلا للسقوط عند أول هزة، وتجعله يخسر جسور التواصل مع الشعب، بل تجعله على تصادم مع الشعب، وتكون علاقته بالشعب علاقة استبداد وتسلّط وقمع.
 
لذلك فإن الشعب يتحين -باستمرار- الفرص التي تجعله قادرا على الانقضاض على الحاكم وإسقاطه، وبالمقابل فإن امتلاك النظام للشرعية من أقوى العوامل التي تجعل الحكم قويا، وتجعل الحاكم متواصلا مع شعبه مطمئنا إليه، وتكون العلاقة بينهما علاقة بناء وتقدم، وإنجازات حضارية.
 

“”
حزب الوفد امتلك العامل الأول من الشرعية وهو رضا الناس عنه لذلك استمر حضوره الفاعل في الحياة السياسية في مصر لمدة نصف قرن
“”

ومن الجدير بالملاحظة أن الشرعية تقوم على عاملين:
الأول: رضا أكثر الشعب أو معظمه على الحاكم، والتفافهم حوله، واتفاقهم وتعاونهم معه، وتأييده. ويتحقّق ذلك عندما يقوم الحاكم بواجباته، ويسهر على رعاية مصالح شعبه، ويحرص على تقدمه، ويعدل بين أفراد شعبه… إلخ.
 
الثاني: تواصل هذا الحاكم مع مقومات الأمّة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسلوكية والأخلاقية… إلخ، وأن يتبناها وأن يطورها بما يتلاءم مع مستجدات واقع الأمة ومشاكلها وقضاياها، أي بمعنى أن يكون ذا رؤية فكرية متواصلة مع مقوّمات الأمة، وذا رؤية لواقع العصر، وذا اجتهاد في تحقيق التواءم بينهما.
 
ولا يعتبر الحاكم ذا شرعية سليمة وراسخة إلا إذا توفر له العاملان، أما إذا توفر له أحد العاملين فإن شرعيته منقوصة، وهو معرض للسقوط عند أقرب مشكلة وهزة، أما إذا خسر العاملان فهو ساقط لا محالة بشكل أسرع وفي أقرب فرصة متاحة لجماهير الشعب.
 
ويمكن أن نمثّل على شرعية الحكم والحاكم بثلاثة أمثلة نأخذها من التاريخ الحديث، وهي:
الأول: الثورة المصرية التي وقعت عام 1919.
الثاني: الثورة العربية الكبرى التي انطلقت عام 1916 من الحجاز.
الثالث: نظاما تونس ومصر في نهاية القرن العشرين.
 
الأول: الثورة المصرية التي وقعت عام 1919:
قامت ثورة مصرية عام 1919 قادها سعد زغلول، ثم شكّل زغلول حزب الوفد الذي قاد الحياة السياسية بين الحربين العالميتين، وإذا أردنا أن نطبق القواعد التي حددنا لشرعية الحكم والحاكم فنجد أن حزب الوفد كان ذا شعبية طاغية، وجماهيرية واسعة، واكتسح كل الانتخابات التي خاضها، وشكّل أغلبية في البرلمانات التي قامت بين الحربين العالميتين وحتى فيما بعد الحرب العالمية الثانية، لذلك نعتبره امتلك العامل الأول من الشرعية وهو رضا الناس عنه لذلك استمر حضوره الفاعل في الحياة السياسية في مصر لمدة نصف قرن.
 
أما بالنسبة للعامل الثاني وهو التواصل مع مقومات الأمة الثقافية والفكرية والسلوكية… إلخ، وتفعيله فنجد أن حزب الوفد قطع التواصل مع هذه المقومات وتنكر لها، فأقام فكره وثقافته على القومية المصرية التي تعتبر الشعب المصري أمة فرعونية، وليس جزءا من أمة إسلامية، وأن الإسلام دين عابر في تاريخ مصر كما عبرت غيره من الأديان، وأن الأصل هو فرعونية الشعب المصري، وأن الرابطة بين المصريين يجب أن تقوم على القومية المصرية الفرعونية، وأن الولاء يجب أن يكون لمصر وحدها… إلخ، وأن النموذج الذي يجب أن تسعى مصر لتحقيقه في واقع الحياة هو النموذج الغربي بكل تفصيلاته الفكرية والاجتماعية والسياسية… إلخ.
 
وإذا تفحصنا الطرح السابق على ضوء واقع مصر الحالي، لوجدناه غير صحيح على الإطلاق لأن مصر جزء من الأمة العربية الإسلامية وليست الفرعونية، وبشكل أصح ليست هناك أمة مصرية فرعونية لأن مفردات الدين الإسلامي من عقائد وقِيم وأخلاق وتصورات وتوجيهات هي التي تبني حاليا أفكار الشعب المصري ومشاعره وثقافته ومواجده وأذواقه وأشواقه وتطلّعاته وسلوكه وعاداته وتقاليده… إلخ.
 
إنّ امتلاك حزب الوفد لعامل واحد من عوامل الشرعية جعله يسقط بسهولة أمام انقلاب عسكري هو انقلاب جمال عبد الناصر عام 1952، وجعله ينتهي إلى دور هامشي في السياسية المصرية، والأهم أنه لم يترك أثرا فكريا وانتهى الحديث في الساحة عن الأمّة المصرية الفرعونية، وأصبح الحديث عن أن شعب مصر جزء من أمة عربية إسلامية.
 

“”
الحكم القومي العربي -في كل مراحله- فاقد لعاملي الشرعية وهما: الجماهيرية، والتواصل مع مقومات الأمّة الثقافية والفكرية، ومع أننا يمكن أن نستثني فترة حكم جمال عبد الناصر لامتلاكه الجماهيرية، لكنه بقي خاسرا للعامل الآخر من عاملي الشرعية وهو قطع الصلة مع عامل مقومات الأمة
“”

ومن الجدير بالذكر أن التيار الإسلامي نافس حزب الوفد بعد الحرب العالمية الثانية على اكتساب تأييد الجماهير، مما جعل عددا من أبرز رموز الدعوة الفرعونية من أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل يتحولون إلى الكتابة عن الإسلام، من أجل استرضاء هذا الجمهور الواسع، فكتب طه حسين: مرآة الإسلام، والشيخان، والفتنة الكبرى في جزئين… إلخ، وكتب عباس محمود العقاد العبقريات التي تناولت: عبقرية محمد، وعبقرية الصدّيق، وعبقرية عمر، وعبقرية عثمان، وعبقرية علي… إلخ، وكتب محمد حسنين هيكل: في منزل الوحي، وحياة محمد، وحياة أبو بكر… إلخ، ومما تجدر ملاحظته أن كل هؤلاء الكتّاب لم يكتبوا حرفا واحدا عن الإسلام قبل الحرب العالمية الثانية، وقبل طغيان المد الجماهيري الإسلامي.
 
الثاني: الثورة العربية الكبرى 1916:
قامت ثورة الشريف حسين بالتعاون مع الإنجليز ضد الخلافة العثمانية أثناء الحرب العالمية في حزيران من عام 1916، وقام تعاون وثيق بين الملك فيصل الأول ولورنس من أجل بلورة معالم المنطقة، وتقسّمت المنطقة إلى عدّة دول، هي: العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والحجاز، وساد الفكر القومي العربي هذه الدول، وكان المُنَظِّر الأول لهذا الفكر هو ساطع الحصري الذي رافق الملك فيصل في رحلته من سوريا إلى العراق، وقد وضع الحصري الأفكار القومية العربية موضع التطبيق في مختلف المجالات الثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية والتاريخية.
 
ومن الملاحظ أن الفكر القومي العربي الذي طرحه ساطع الحصري وتبناه الملك فيصل قام على اعتبار هذه الأمة تقوم على عاملي اللغة والتاريخ، واستبعد الدين من عوامل تكوينها، فبذلك يكون قد قطع الصلة بمقومات الأمة الثقافية والفكرية… إلخ، وبهذا يكون قد خسر أحد عاملي بناء شرعية الحكم.


أمّا بالنسبة للعامل الثاني وهو رضا معظم الجماهير عن الحكومات القومية العربية، فمن الملاحظ أنها كانت باستمرار ذات جمهور محدود في معظم مراحل وجودها، ويمكن أن نمثّل على ذلك بحزب البعث العراقي الذي حكم العراق في عام 1968، وقفز إلى الحكم بقيادة صدام حسين، وكان عدد أعضائه 150 عضواً، وكانوا يملكون آلة طابعة واحدة، ويمكن أن نمثّل عن ذلك -أيضاً- بحركة القوميين العرب التي نشأت في خمسينيات القرن الماضي وبعد عشر سنوات لم يتجاوز عدد أعضائها مائة عضو… إلخ، وربما كان الاستثناء الوحيد في امتلاك جماهيرية واسعة هي فترة جمال عبد الناصر، وربما جاءت تلك الجماهيرية الواسعة من طرحه لمطالب تلبّي طموحات الأمّة من مثل محاربة الاستعمار وتحقيق الاستقلال، وبناء التصنيع، وإقامة العدل، وتوزيع الثروة… إلخ.
 
نلاحظ أنّ الحكم القومي العربي -في كل مراحله- فاقد لعاملي الشرعية وهما: الجماهيرية، والتواصل مع مقومات الأمّة الثقافية والفكرية، ومع أننا يمكن أن نستثني فترة حكم جمال عبد الناصر لامتلاكه الجماهيرية، لكنه بقي خاسراً للعامل الآخر من عاملي الشرعية وهو قطع الصلة مع عامل مقوّمات الأمّة، وقد ازداد هذا القطع بالطرح الاشتراكي الماركسي الذي لم يتنكّر للدين فحسب، بل عادى الدين، وحاول استئصاله فقد اعتبره أصل التخلّف والانحطاط في نظره، وساعد فقدان التواصل مع مقوّمات الأمّة الثقافية على انهيار الحكم القومي العربي عام 1967، وبروز الصحوة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي.
 
الثالث: نظاما تونس ومصر في نهاية القرن العشرين:
والآن إذا انطلقنا إلى تونس ومصر في نهاية القرن العشرين، وبحثنا شرعيتهما على ضوء الحقائق السابقة، فنجد أنّ الحكم في تونس في عهد زين العابدين بن علي كان خاسراً لعاملي الشرعية، فهو بالنسبة للعامل الأول كان فاقداً لالتفاف الجماهير حوله، وليس هذا فحسب بل كان مكروهاً بسبب فساده واستبداده السياسي ونهب أسرته لثروات الشعب التونسي… إلخ، وبالنسبة للعامل الثاني فهو ليس قاطعاً للتواصل مع مقوّمات الأمّة الثقافية والفكرية فحسب، بل أخذ مواقف معادية لبعض هذه المقوّمات، واجترأ على كثير من ثوابت الدين الإسلامي كالميراث وبعض أحكام المرأة والأسرة والعبادة… إلخ، وفرض التغريب بشكل كثيف، وقد ورث زين العابدين بن علي كل هذا القطع مع مقوّمات الأمّة من حكم بورقيبة الذي كان سلفاً له، ولم تكن له أية إضافة في هذا المجال، بل تبنّاه بشكل كامل، وزاد عليه تطبيقه الحرفي له في مجال نزع الحجاب، والتوجه التغريبي، وتكبيل الشعب التونسي فهو رجل أمن وحسب.
 

“”
الرجلان اللذان حكما تونس ومصر كانا وارثين لنظام سابق، وبقيا عند حدود ما ورثاه لأنهما لا يملكان أية رؤية فكرية فاعلة ومؤثّرة، وكانت إضافتهما الوحيدة هي استشراء الفساد وسرقة أموال الشعب وترسيخ الاستبداد وحكم الجماهير بالحديد والنار
“”

أمّا بالنسبة لحكم حسني مبارك في مصر، فإنه فاقد لعاملي الشرعية أيضا، فهو بالنسبة للعامل الأول فاقد للجماهيرية، ولرضا الناس عنه، ويدل على ذلك خروج الملايين إلى الشوارع يوم 25 يناير وما بعده في مختلف المحافظات المصرية، والأرجح أن ذلك بسبب قبضته الأمنية، واستبداده السياسي، وفساد حكمه، وسرقة أسرته والطبقة الحاكمة لمليارات الدولارات، وبسبب خنوعه لإسرائيل وأميركا، وتنكّره لقضية فلسطين في غزّة… إلخ. 
 
وبالنسبة للعامل الثاني: عدم التواصل مع مقوّمات الأمّة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية، فهو قد ورث من حكم السادات إلغاء التوجّهات الاشتراكية، وسياسة الانفتاح الاقتصادي التي تربط الاقتصاد المصري باقتصاد السوق الرأسمالي وعلى رأسها الرأسمالية الأميركية  المتوحّشة، وأبقاها دون تغيير، وزاد في متابعة السياسة الأميركية والحرص على الاستسلام لإسرائيل والمحافظة على أمنها، وزاد في حجم التوجهات التغريبية، وزاد في الإثراء الفاحش لطبقة الحاكم، والإفقار الفاحش للطبقة الوسطى والمدنية.
 
ومن الجدير بالملاحظة أن الرجلين اللذين حكما تونس ومصر كانا وارثين لنظام سابق، وبقيا عند حدود ما ورثاه لأنهما لا يملكان أية رؤية فكرية فاعلة ومؤثّرة، وكانت إضافتهما الوحيدة هي استشراء الفساد في أسرتيهما وأتباعهما، وسرقة أموال الشعب من جهة، وترسيخ الاستبداد، وحكم الجماهير بالحديد والنار من جهة ثانية.
 
الخلاصة: إن كثيرا من الأنظمة العربية فاقدة للشرعية كنظامي تونس ومصر، وهي جاهزة وآيلة للسقوط، وقد أعطتنا انتفاضتا تونس ومصر درسا في ضرورة استمرارية المواجهة والاحتجاج على هذه الأنظمة والثورة على خيانتها، فلم تتوقّف الاحتجاجات في مصر وتونس منذ عشر سنوات بدءا من مواجهات الإسلاميين في كلا البلدين، ومرورا بحركة كفاية، وحركة مش عاوزينك، ومجموعة 6 أبريل، ومجموعة خالد سعيد… إلخ، وانتهاء بحركات فيسبوك، ثم أثمرت هذه التحرّكات زلزالا هز النظامين، وجعلهما في مهب الريح.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *