قراءة في مراجعات الجماعات الإسلامية الجهادية

print
نقلت الأخبار قبل أيام أن “”الجماعة الإسلامية المقاتلة”” في ليبيا بدأت مراجعات فقهية لموقفها من العنف المسلح , و انتهت قيادتها في سجن بوسليم بطرابلس في ليبيا إلى قناعات فكرية تدين العنف المسلح , و تدين ممارساتها السابقة نحو الحكم الليبي , ونقلت الأخبار أن سيف الإسلام القذافي نجل الرئيس معمر القذافي هو الذي قدم تسهيلات لقيادة “”الجماعة الإسلامية المقاتلة””  من أجل أن تقوم بهذه “”المراجعات”” , و تأتي هذه الأخبار بعد مراجعات قامت بها “” الجماعة الإسلامية “” المصرية قبل عدة أعوام ,  و أصدرت قيادتها في السجن و على رأسهم كرم زهدي و ناجح إبراهيم عددا من الكتب تنتقد تجربتها السابقة في اغتيال الرئيس السادات , وفي اغتيال رئيس البرلمان المصري رفعت المحجوب , و تدين الخروج على الحاكم , وتدين سرقة البنوك , وتتراجع عن قتل الأقباط المصريين , وكانت الذروة في هذه المراجعات ما كتبه سيد إمام الشريف “” الدكتور فضل “” قائد حركة الجهاد في “” وثيقة ترشيد الجهاد في مصر و العالم “” قبل عدة أشهر ونقول “” الذروة في المراجعات “” , لأن حركة الجهاد هي الحركة الأبرز في الحركات الإسلامية التي تستعمل القوة و الانقلاب و الجهاد و العنف في تغيير الواقع , و قد تأثرت بفكرها كل الحركات الجهادية التي مارست العنف , سواء في ليبيا أم في تونس أم في الجزائر الخ …., و كذلك ستكون مراجعة الدكتور فضل على الأغلب هي المراجعة الأكثر إحاطة والأكثر شمولا , لأن كتبه كانت معتمدة عند الحركات الجهادية في أفغانستان و أبرزها كتاب “” العمدة في إعداد العدة “”, وكذلك من المرجح أن تكون مراجعاته هي النموذج و المثال لكل المراجعات , لذلك نرجح أن تكون مراجعات “”الجماعة الإسلامية المقاتلة”” الليبية تعتمد كثيرا على مراجعات الدكتور فضل , وبخاصة بعد الأقوال والأحكام التي رشحت و تسربت ونُقلت عن مراجعاتها هذه إلى وسائل الإعلام على لسان قادتها , فما أبرز ما جاء في مراجعة الدكتور فضل ؟ و أين القصور فيها ؟

انتقد الدكتور فضل في “”وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم “” بعض الأعمال الجهادية من مثل أنه لا يجوز السطو على أموال الغير من أجل الحصول على النفقة المطلوبة للجهاد، وأنه لا يجوز الاعتداء على السيّاح والأجانب في بلادنا، كما أنه لا يجوز الاعتداء على الأجانب في بلادهم حتى لو اعتدت حكوماتهم على أوطاننا إلخ…، كما أنه أسقط الجهاد عن الجماعات الإسلامية بحجّة أنّ وضعها يتراوح بين العجز والاستضعاف، وكذلك وضّح الضوابط المتعدّدة التي تسمح بتكفير المعيّن إلخ…

فنجد أنّ حركة الجهاد انتقلت من طرف إلى نقيضه، فالمعروف عن “”حركة الجهاد”” تساهلها في إطلاق أحكام التكفير، فلَم تكفّر الحكّام فحسب، بل كفّرت جميع أعوانهم من مثل أفراد الجيش والشرطة والوزراء وأفراد الحكومة إلخ…، كما كانت توجب الجهاد وتوجب الخروج على الحكّام، وتتشدّد في ذلك إلخ…، فما السبب في الانتقال من موقف إلى نقيضه؟ السبب في ذلك هو القصور في وعي الواقع، وتحليله، وتوصيفه والانطلاق منه، مع أنه يفترض في أيّة حركة تريد تغيير الواقع أن تعي هذا الواقع، وتعطيه التوصيف المناسب، وتحدّد أولويّات الأمراض والعقبات والمشاكل، ثم تحدّد الأدوات والخطوات المطلوبة لتغيير هذا الواقع على ضوء الأمور الشرعية وعلى ضوء هذا التوصيف، ولكنا لا نجد هذا يحدث عند “”حركة الجهاد”” لكنّ ما حدث هو انتقاء بعض الأحكام الفقهية من تراثنا الفقهي الواسع، حول الحاكم وكفره وجواز الخروج عليه ثم بناء المواقف العملية على ضوء هذه الأحكام الفقهية في مرحلة أولى، ثم يأتي التراجع عنها واختيار خلافها في مرحلة ثانية، ومما يؤكّد ذلك، وهو أمر القصور في وعي الواقع وتحليله والانطلاق منه عند الدكتور فضل أننا لا نجد إشارة إلى الواقع المعاصر في “”الوثيقة”” سوى مرّتين:

الأولى: عند حديث الدكتور فضل عن سقوط الخلافة العثمانية، واستعمار الدول الغربية لمعظم الدول الإسلامية وربط ذلك بذنوب المسلمين.

الثانية: عند حديث الدكتور الفضل في الحلقة الرابعة عشر عن نصيحته لحكّام الدول العربية، فذكر أنّ الوحدة العربية التي سعت الجامعة العربية إلى تحقيقها عند قيامها عام 1945 هي ضرب من الأوهام. ومن الواضح أنّ الإشارتين التي وردتا عن الواقع كانت مقتضبتين وساذجتين، وكان الأولى أن يتعمّق الدكتور فضل في تحليل سبب سقوط الخلافة العثمانية وأن يورد أسباباً أخرى غير الذنوب، ويربط ذلك بالواقع التاريخي كنشوء الفِرَق ونهضة الغرب واكتشاف أمريكا إلخ…، وأن يتفحّص الفكر القومي العربي وبنيته من الداخل ويضع يده على مكمن الخلل في بنية هذا الفكر، فالوحدة العربية غير الفكر القومي العربي، فهي هدف من أهداف القومية العربية، وهي هدف نبيل لدى عموم أفراد الأمّة: القوميين منهم والإسلاميين.

لاشكّ بأنّ ضعف وعي الواقع، والقصور في تحليله، وغياب مفهوم الأمّة هو الذي جعل الحركات الجهادية تتخبّط وتنتقل من النقيض إلى النقيض أحياناً، وهذا ما وجدناه في مراجعات “” الجماعة الإسلامية “”  المصرية , وفي مراجعات “” حركة الجهاد “” عند الدكتور فضل، ورأينا بعضا منه فيما رشح من أقوال عن مراجعات “” الجماعة الإسلامية المقاتلة “” الليبية، وسيتأكد أن هذه “”المراجعات”” تحتوي على القصور نفسه عندما تصدر بشكل كامل.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *