قراءة في كتاب “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” للدكتور محمد عابد الجابري

print

يحظى الدكتور محمد عابد الجابري بمكانة عالية لدى القارئ العربي بعد تأليفه سلسلة كتب عن العقل العربي، وقد ألّف كتاباً تحدّث فيه قضايا معاصرة مثل الصحوة، والدولة، وتطبيق الشريعة إلخ…، ومما يلاحظ أنّ آراءه تلقى قبولاًَ لدى قطاع من الإسلاميين ناهيك عن القوميين والليبراليين والتقدّميين واليساريين إلخ…، وسأناقش في هذا المقال كتاب الجابري “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” لأهميّة الموضوعات التي تناولها من جهة، ولكونها شغلت المسلمين خلال القرن الماضي من جهة ثانية.

يدعو الدكتور محمد عايد الجابري في مقدمة كتابه “الدين والدولة وتطبيق الشريعة” إلى تكوين مرجعية منفتحة، ثم يبين لنا أنّ هذه المرجعية المنفتحة التي يدعو إليها تقوم على عمل الصحابة، ثم يوضح لنا أنّ المصالح الكلية هي التي كانت تحرك عمل الصحابة. لا خلاف أنّ الصحابة خير من فهموا الإسلام وخير من طبقوه وعملوا به، لكن هل صحيح أنّ المصالح الكلية فقط هي التي كانت تحرك عمل الصحابة؟ لقد كانت المصالح الكلية جزءاً من منظومة فكرية متكاملة تحرك عمل الصحابة وهي: التوحيد، القرآن، السنة، الجماعة، الآخرة، الجنة إلخ…، وكانت المصالح الكلية تظهر عندما يختفي الحكم الواضح والأمر الشرعي.

ثم يتعرض الدكتور الجابري إلى “مسألة الدين والدولة في المرجعية التراثية”، ويرى أنّ السؤال “هل الإسلام دين أم دولة؟” سؤال لا وجود له في المرجعية التراثية، وإنما جاء السؤال في منتصف القرن الماضي عندما قامت النهضة ووقع الاحتكاك بالحضارة الغربية التي عرفت مثل هذا السؤال، ويرى أنه يصبح قابلاً للجواب إذا أعدنا صياغته ووضعنا كلمة “أحكام” مكان كلمة “دين”، وكلمة “سلطة” مكان كلمة “دولة”، ثم ينتقل في فقرة ثانية إلى اعتبار حادثة اجتماع المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة بالمدينة لاختيار الخليفة هي الإطار المرجعي الرئيسي الذي استند إليه فقهاء أهل السنة في تشييد نظريتهم في الخلافة، وفي النهاية يرى الجابري أنّ نظرية الخلافة عند أهل السنة هي في جملتها تقنين لأمر واقع، وأنّ مسألة علاقة الدولة بالدين لم تكن مطروحة ولا كان يمكن أن تطرح على الساحة الإسلامية، لأنّ جميع المتعاملين مع موضوع الدولة مسلمون، أو على الأقل يتصرفون بوصفهم كذلك.

ثم ينتقل الجابري في الفقرة التالية ويشير إلى أنّ هناك فراغاً دستورياً في لغة العصر برز في نهاية حكم الخليفة عثمان رضي الله عنه تجلّى في ثلاث مسائل رئيسية هي: عدم إقرار طريقة مقننة لتعيين الخليفة، وعدم تحديد مدة ولايته، وعدم تحديد اختصاصاته. ثم يعرض الجابري في فقرة: “الايدلوجية السلطانية والخلقية الإسلامية” السند الشرعي الذي كان يعتمد عليه الحكمان الأموي والعباسي في تبرير وجودهما، ثم يبين أنّ التجربة التاريخية للأمة الإسلامية ليست هي السياسة المطبقة وحدها، بل إنها أيضاً ما يُعبر عنه بـ “الخلقية الإسلامية” في الحكم، تلك الخلقية التي بقيت تلهم الفكر الحر وتنعش الآمال في الإصلاح والتغيير ومنها: الشورى، والمسؤولية التي تتوزع في جسم المجتمع، وترك أمور الدنيا لأهل الاختصاص.

والآن يمكن أن ندوّن الملاحظات التالية على ما ذكره الجابري بخصوص “الدين والدولة في المرجعية التراثية”

1. أصاب الجابري عندما اعتبر أنّ إشكالية فصل الدين عن الدولة لا وجود لها في التجربة التاريخية للأمة الإسلامية.

2. يلحظ الدارس للمؤلفات الحديثة عن الحكم الإسلامي أنّ النظام الديمقراطي الغربي بصورته الغربية الحديثة هو النموذج الذي يستند إليه الباحثون في محاكمة النظام الإسلامي وفي إصدار الأحكام عليه، ولاشك أنّ هذا ظلم كبير للنظام الإسلامي، لأنّ الحكم الإسلامي حكم له تاريخه الخاص وله مؤسساته الخاصة وله آليته الخاصة في تحقيق أهدافه، وإنما يجب أن يحاكم النظام الإسلامي بحكومات عصره من جهة، وبمعايير إنسانية عامة من جهة ثانية.

3. اعتبر الجابري أنّ ثغرات دستورية حوّلت الخلافة إلى ملك، وحدّد أبرز هذه الثغرات الدستورية بعدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة، وعدم تحديد مدة ولاية الخليفة، وعدم تحديد اختصاصاته، ويمكن الرد عليه وبخاصة فيما يتعلّق بالنقطة الأخيرة وهي عدم تحديد اختصاصات الخليفة بأنّ الحاكم الإسلامي ربما كان أكثر الحكام وضوحاً في تحديد واجباته واختصاصاته على الأقل في تلك الفترة التاريخية وذلك لوجود القرآن الكريم والسنة النبوية التي تم اختيار الخليفة على أساسهما، واللذين يمثلان الدستور المشترك المتفق عليه بين الرعية والخليفة، ومما يؤكد ذلك أنّ الثوار الذين ثاروا على عثمان رضي الله عنه أرادوا عزله لأنه خالف قواعد مقررة معروفة بينهم، لكن البحث عن سبب التحول التاريخي في تجربة الحكم الإسلامي يجب أن يتجه إلى تكوين الطائفة الثائرة: ما تركيبتها الاجتماعية؟ وما ذهنيتها السائدة؟ وما فهمها للدين؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن يعطينا جواباً أدق عن أسباب التحول التاريخي في الحكم الإسلامي.

إنّ الطائفة الثائرة تحوّلت إلى فرقتين تاريخيتين هما: الخوارج والشيعة، وإذا بحثنا عن أجوبة الأسئلة السابقة في بنية الفرقة الأولى نجد أنّ الواقع القبلي هو الذي حكم انتماء عناصرها، وأنّ الفهم الظاهري للدين هو الذي حكم ذهنيتها نتيجة حياتها البدوية التي لا تتيح التعمق والتدبر في فهم آيات الله، وكذلك بالنسبة للفرقة الثانية نجد أنّ المنتمين لها من أبناء المناطق التي دخلت في الإسلام نتيجة الفتوحات الإسلامية، وقد جلب الداخلون في الإسلام من بيئتهم السابقة بعض مفاهيمهم التي تقوم على العلم عن طريق الغنوص، إنّ هذه العوامل الثقافية في فهم الدين هي التي ساهمت في تشطير المنطقة وفي تكوين المنعطف التاريخي في واقعها.

إنّ الخوف على وحدة الأمة والحرص على عدم تصدعها بعد المخاض العسير لوصول علي رضي الله عنه إلى الخلافة وليس قول الأمويين بالجبر في مجال القضاء والقدر هو الذي أتاح لنهج الأمويين أن يكون مقبولاً لدى طائفة من المسلمين بغض النظر عن صدق الأمويين في تلك المقولة أو عدم صدقهم لأنّ الأمويين ليسوا هم مصدر المسلمين في فهم القضاء والقدر، ومما يؤكد ذلك احتفال المسلمين وابتهاجهم عند تنازل الحسن لمعاوية عن الخلافة وتسميتهم ذلك العام بعام الجماعة.

ثم ينتقل الجابري في الفقرة الثانية من كتابه إلى معالجة “الدين والدولة في المرجعية النهضوية”، فيرى أن طرح فصل الدين عن الدولة عند بعض دعاة النهضة المسيحيين كبطرس البستاني إنما جاء من استلهامهم للنهضة الأوروبية من جهة، ولكونه مسيحيّاً عاش فتنة 1860م في لبنان، ويريد أن يتخلص من الحكم العثماني من جهة ثانية، وإذا كان لهذا الوضع الطائفي خاصيته فإنه لا يمكن تعميم هذه الخاصية على كل البلدان العربية، ثم يرى الجابري أنه يمكن استبدال العلمانية بالديمقراطية والعقلانية، لكن الجابري في الفقرة الأخيرة من هذا القسم يعود إلى مناقضة نفسه فهو عندما يقر بأنّ العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا معنى لها في مجتمع إسلامي لأسباب متعددة، يدعو إلى فصل الدين عن السياسة لأسباب متعددة منها: أنّ الدين يمثل ما هو مطلق وثابت، بينما تمثل السياسة ما هو نسبيّ ومتغيّر، والسياسة تحركها المصالح الشخصية الفئوية، أما الدين فيجب أن ينـزه عن ذلك، وأنّ الدين يوحّد في حين أنّ السياسة تفرق، ولا أدري ماذا تعني الدعوة السابقة؟ ألا تعني فصل الدين عن الدولة؟ ألا تعني قبول ما رفضه الجابري قبل قليل؟ لنتجاوز هذا ولنسأل: من أين جاءت هذه المقولة؟ جاءت هذه المقولة من التراث المسيحي الذي يميّز بين ما هو مقدّس وما هو مدنّس، الديني هو المقدّس والدنيوي هو المدنّس، في حين أنّ هذه القسمة ليست مطروحة في الحياة الإسلامية بل كل عمل يمكن أن يؤديه المسلم يعتبر جزءاً من عبادته لله، وجزءاً من دينه وتقدّسه، حتى شهواته الخاصة من طعام وشراب وجماع ورياضة ونزهة إذا نوى فيها التقوّي على طاعة الله أو ذكر الله في بدايتها كانت عبادة وكان له فيها أجر ويدل على ذلك الحديث الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً الصحابة: “”وفي بضع أحدكم صدقة”” قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟. قال: “أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وِزْر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً” (رواه مسلم).

أما اعتبار الجابري أنّ الدين يمثل ما هو مطلق وثابت فكلام عام وغير دقيق، فإنّ الدين يحتوي أحكاماً ثابتة وأخرى متغيرة، الثابت منها ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى والآخرة والعبادة والحدود إلخ…، وأعطانا الدين في الوقت نفسه القواعد التي نحكم بها على المتغيّر من أمور الحياة وقد تجسدت هذه القواعد في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وإلا لما أمكن اعتبار الدين الإسلامي صالحاً لكل زمان ومكان.

أما الحجة الثانية وهي اعتبار الجابري أنّ الدين يوحّد وأنّ السياسة تفرق فهي أمور نسبية وليس على إطلاقها، فيمكن للدين أن يفرق ويمكن للسياسة أن توحّد، يمكن للدين أن يفرق إذا كان هناك اختلاف في فهم بعض قضاياه وعقائده وأحكامه كما يمكن أن يوحّد إذا كان هناك تطابق في ذلك الفهم وفي طرق التوصّل إلى ذلك الفهم، وإنّ ما حدث في زمن عثمان رضي الله عنه وما بعده من اختلاف ليس سببه توظيف الدين في السياسة كما ادعى الجابري، ولكنه نتج من أفهام متباينة لبعض القضايا نتيجة تداخل عناصر موروثة لم تستطع بعض الفرق التخلص منها كما عرضنا ذلك في موضع سابق من المقال عند الحديث عن الخوارج والشيعة.

أما قول الجابري: “السياسة تحركها المصالح الشخصية أو الفئوية أما الدين فيجب أن ينـزه عن ذلك” فهو مرتبط بالتمييز بين المقدس والمدنّس الذي جاءنا من التراث المسيحي، وهذا لا أصل له في الدين الإسلامي، فطالما أن تحقيق المصالح الشخصية والشهوات مباح بل وتعتبر عبادة في نظر الشرع الإسلامي مثل أية ممارسات دينية وعليها أجر، كذلك كانت السياسة الساعية إلى تحقيق هذه المصالح والشهوات مشروعة ومقبولة ولا ضير في ذلك، ولكن السياسة ليست كلها مصالح شخصية بل هناك مصالح الدين والجماعة والأمة إلخ…، ويمكن التوفيق بين كل هذه المصالح في حال تضاربها من خلال قواعد الشرع ومن خلال الخلقية الإسلامية التي من عناصرها: الإيثار والتضحية والحرص على الفوز بالآخرة إلخ…

ثم ينتقل الجابري في القسم الثاني من كتابه إلى “مسألة تطبيق الشريعة”، فيميز بين الصحوة والتجديد وبين أنّ المطلوب هو تجديد الدين، ويتحدث الجابري في فقرة ثانية ويبين أنه لم يكن هناك تعارض بين السلفية والوطنية وبخاصة في المغرب العربي، ويعتبر أنّ السلفية كانت دائماً جزءاً من التجربة التاريخية للإسلام الشيء الذي تستعيد به هذه التجربة ما يحفظ لها الوجود والاستمرارية عندما يفرز تطورها الداخلي ما يهددها بالاندثار، ومع ذلك فهو يرى أنه لم يعد استلهام النموذج السلفي كافياً بل لابد من استلهام التجربة التاريخية للأمم التي تناضل مثلنا من أجل وجودها والحفاظ على وجودها، وهو يرى أنّ منطق الحضارة المعاصرة يتلخص في مبدأين هما: العقلانية والنظرة النقدية، فهو يرى الأخذ بهذين المبدأين وقصر السلفية على تقديم السيرة الأخلاقية، ولكي يمكن أن نفعل ما اقترحه الجابري إذا كانت السلفية كمبادئ أو كتاريخ تناقض العقلانية والنظرة النقدية، ولكننا نجد أنّ السلفية لا تتناقض مع هذين المبدأين لا كأصول ولا تاريخ، فالسلفية كانت عقلانية منذ نشأتها مع الصحابة، واستمرت مع علماء الأمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم والعزّ بن عبدالسلام والشاطبي إلخ …، والشواهد على ذلك أكثر من أن ندونها ونحصيها، والأمر أجلى من أن ندلّل عليه، وإلا لما استطاعت القيادات السلفية استيعاب علوم عصرها والابتكار فيها والإضافة إليها، والسلفية كانت دائماً ذات نظرات نقدية لذلك كانت رسالة أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة والجهمية، وكانت كتابة الشافعي في نقد أستاذه مالك بن أنس وفي نقده للساحة الفقهية التي أنتجت رسالة “الأصول”، وكان تدوين الباقلاني لكتاب “التمهيد” في الرد على المعتزلة، وكانت كتابات ابن تيمية في تفنيد التصوّف والمنطق والفلسفة إلخ …، صحيح أنّ هناك فترات كانت تضعف فيها العقلانية أو الجانب النقدي في واقع الحياة الإسلامية، لكن التصحيح لهذا الواقع كان يحدث من خلال استلهام النموذج التاريخي السلفي، ومازالت الفرصة موجودة الآن لمعالجة الواقع المرضي باستلهام النموذج السلفي بأجزائه: الأخلاقي والعقلاني والنقدي.

ويبين الجابري في فقرة “التطرف يميناً ويساراً” أنّ التطرف الذي يحدث في مجال اليمين إنما يتجه بالخصومة والاعتراض على التيار الإسلامي الوسطي المعتدل، وهو يرى أنّ مبررات وجوده عدم تمكن الاتجاه السلفي من القيام من التجديد في المجال النقدي، والتجديد الذي يقترحه هو تأصيل جديد للأصول وذلك باعتماد كليات الشريعة ومقاصدها بدل الاقتصار على تفهم معنى النصوص واستنباط الأحكام منها، وهو من أجل التدليل على وجهة نظره يرى أنّ هناك طريقتين في الاجتهاد: الأولى الطريقة التي تعتمد القياس والتعليل واستثمار الألفاظ، والثانية: الطريقة التي تدعو إلى اعتبار المقاصد أساساً ومنطلقاً، ويقع الجابري في خطأين عندما يدعو إلى منهجه الجديد:

الأول: تصويره أنّ هناك تناقضاً بين الطريقتين السابقتين، والحقيقة أنه ليس هناك تناقض بل جاءت الطريقة الثانية تطوراً واستكمالاً للطريقة الأولى كما وضح ذلك أحمد الريسوني في كتابه عن المقاصد عند الشاطبي.

الثاني: الفصل بين تطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق المصالح العامة للمسلمين، ومع أنّ الشاطبي وغيره من الفقهاء الذين قالوا بأنّ إنزال الشرائع كان القصد منه حفظ الضروريات الخمسة وهي: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، قالوا بأنّ الطريق لتحقيق المصالح المذكورة أعلاه يتأتى عن طريق تطبيق الشريعة الإسلامية، وعندما نطبق الإسلام بكل تفصيلاته فيمكن أن نوسّع النظر في الضروريات والحاجيات والتحسينات التي يتطلّبها العصر، والتي قد لا تكون مطبقة في داخل المجتمع الإسلامي.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *