ما إلنا

الثورة السورية حصاد وتقويم

print
ليس من شك أن الثورة السورية التي انطلقت في 15-3-2011 هي ثورة مجيدة، لأنها انطلقت في ظروف صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وحتى نتأكد من صدق المقولة السابقة علينا أن نعود إلى  لحظة الانقلاب الذي قاده حزب البعث في آذار )مارس( 1963، واستلم حكم سورية على إثر ذلك.

لقد جاء حزب البعث إلى الحكم باستراتيجية معادية للدين بشكل صارخ، استراتيجية تقوم على تدمير الدين، واستئصال المتدينين، واستند في استراتيجيته تلك إلى علمانية متطرفه وماركسية تعتبر الدين أصل التأخر والانحطاط، والسبب في غياب العقل والعلم والنهضة، لذلك يجب اقتلاعه من عقول السوريين، ويجب إستئصال المتدينين، وإلغاء حضورهم الاجتماعي لأنهم أصل الحديث عن الخرافات والأوهام: من مثل الحديث عن الجن والملائكة والجنة والنار إلخ …. حسب زعمه.

وقد ترافقت تلك الركيزة الفكرية المعادية للدين مع بناء أجهزة أمنية متعددة بلغت أربعة عشر جهازا، واتصفت بأنها ذات قبضة وحشية من أجل تخويف الشعب ومراقبته، وكتم أنفاسه، وقد ربطت الدولة بالأجهزة الأمنية شؤون المجتمع من بيع وشراء وتجارة وسفر وإعلام وقضاء وجامعات وتوظيف إلخ ……

وقد اختزلت هذه الأجهزة الأمنية السياسة والحكم والاقتصاد بأسرة حافظ الأسد وأولاده وإخوانه وأخواله، وقصدت إذلال الناس، وزرعت في قلوبهم وعقولهم تقديس الحاكم وفرضت عليهم وجوب طاعته والتسبيح بحمده.

ومع كل تلك المناهج التي ولدها نظام البعث والحكم الأسدي في مجال الفرد السوري والمجتمع السوري، فإن أمتنا في سورية قامت بثورة عظيمة في 15/3/2011 على طغيان وجبروت النظام الأسدي، وانطلقت هذه الثورة من المساجد، وطالبت باسقاط النظام وتغييره، وهذا يدل على عظمه هذه الأمة في سورية، وعلى مدى الحيوية والقوة التي تتمتع بها أمتنا في سورية رغم الدمار الممنهج الذي قام به نظام آل الأسد لإخضاع الشعب السوري وإفقاره وإذلاله وتطويعه.

وها قد مرّت خمسة أعوام على انطلاقة الثورة، فما حصيلة هذه الأعوام الخمسة وما تقويمنا لها؟

سنرصد الحصيلة في ثلاثة قطاعات:

الأول: القطاع الديني.

الثاني: القطاع السياسي.

الثالث: القطاع العسكري.

الأول: القطاع الديني:

لقد تشكلت عدة روابط شرعية، وعدة مؤسسات علمائية، وعدة تجمعات وهيئات بعد اندلاع الثورة، وقد قامت هذه الروابط والمؤسسات والتجمعات داخل سورية وخارجها، وقد كان الصوت عاليا بضرورة توحد هذه الروابط، وضرورة أن تجتمع في إطار واحد، وبالفعل تم اجتماعها في مجلس واحد تحت اسم “المجلس الإسلامي السوري” في شهر نيسان (إبريل) من عام 2014، وقد اعتبر هذا المجلس هيئة مرجعية شرعية تسعى إلى جمع الكلمة على المستوى السوري.

ومن الجدير بالذكر أنه ساهم ممثلون شرعيون لمعظم الفصائل السورية المقاتلة في تكوين المجلس، وهذه المساهمة جعلت المجلس الإسلامي حاضرا في القطاع العسكري السوري من أجل توجيهه وتوحيده وحل المشاكل التي تقع بين الفصائل.

ومن أبرز إنجازات المجلس الإسلامي السوري، إنجازان، هما:

  1. إصدار “وثيقة المبادىء الخمسة” في 18/9/2015، والتي تتضمن اسقاط نظام الأسد وتفكيك أجهزته الأمنية، وبالأضافة إلى خروج القوى الأجنبية كافة من الأرض السورية، والحفاظ على وحدة سورية وعدم تقسيمها تحت أي ظرف، مع رفض المحاصصة بكل أنواعها، وبلغ عدد الموافقين على الوثيقة نحو 74 جهة سورية مدنية وعسكرية وسياسية، ونحو 52 شخصية مهمة، وقد وقع الإئتلاف الوطني والذي يمثل أكبر هيئة سياسية على هذه الوثيقة.
  2. إصدار وثيقة “خطاب إلى الضمير العالمي” في 2/9/2015، وتضمنت نداء إلى الضمير العالمي والمنظمات الحقوقية العالمية لوقف التدمير الممنهج والإبادة الجماعية في بلد يعد “مهد الحضارات والرسالات في العالم”، واتهم المجلس في وثيقته النظام العالمي بالعجر عن “انصاف المظلومين” في سورية، وحماية مطلبهم بنيل الحريات، واصفا موقف بعض الدول بالتواطؤ مع نظام الأسد.

الثاني: القطاع العسكري:

إن من أخطر المشاكل التي تواجه القطاع العسكري الشرذمة في مواجهة إجرام نظام بشار الأسد، وباستمرار كان هناك نداء ودفع باتجاه التوحيد العسكري من مختلف القطاعات المدنية والعلمائية والسياسية وأبناء الشعب والرأي العام السوري.

وقد استجاب القطاع العسكري لتلك النداءات، فشهد قيام عدة جبهات وتكتلات بين عدد من الفصائل خلال السنوات الخمسة الماضية، وكان أبرزها قيام ” الجبهة الإسلامية” بين “حركة أحرار الشام الإسلامية” و “كتائب أنصار الشام” و “صقور الشام” و”لواء الحق” و “لواء التوحيد” و “جيش الإسلام” و “الجبهة الإسلامية الكردية” بتاريخ 22/11/2013.

وقد جاءت أكبر خطوة توحيدية في نهاية العام الماضي 8/12/2015 عندما تشكلت “الهيئة العليا للمفاوضات” في الرياض وشملت توقيع (222) فصيلا عسكريا، وقد كان القصد من ذلك الاجتماع الكبير للفصائل العسكرية، هو إعطاء دفعة للمفاوض السياسي الذي سيواجه وفد النظام الأسدي في جنيف في شباط (فبراير) 2016 من جهة، وإلقام المتخرصين على الثورة أحجارا، والمتهمين لها بعدم امكانية التوحد من جهة ثانية.

وقد شهد القطاع العسكري باستمرار تطويرا لمبادئه الاستراتيجية والتكتيكية، ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى “ميثاق الشرف الثوري” الذي أعلنه “الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام”، و”فيلق الشام”، و”جيش المجاهدين”، و”ألوية الفرقان”، و”الجبهة الإسلامية” بتاريخ 17/5/2014، وهو من الوثائق المهمة التي مثلت ترشيدا لمسيرة الثورة في المجال العسكري.

 

الثالث: القطاع السياسي:

لقد شهد القطاع السياسي في الثورة السورية عدة تطورات، وكانت هذه التطورات استجابة للمتغيرات على ساحة الثورة السورية، فتشكل “المجلس الوطني السوري” بتاريخ 2/10/2011، وجمع ثلة من السياسيين السوريين، وجمع عدداً من المكونات الحزبية والفكرية للثورة السورية.

ثم شهد القطاع السياسي ولادة مكون سياسي آخر هو ” الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ” بتاريخ 11/11/2012، ليجمع عددا أكبر من القوى السياسية.

ثم تشكلت “الهيئة العليا للمفاوضات” والتي جمعت كل التشكيلات السياسية والعسكرية في الثورة السورية، والتي جاءت معبرة عن آمال الشعب السوري في التوحد والإجتماع.

لقد أثبت نظام بشار الأسد أنه فريد في إجرامه ووحشيته، فقد قتل حتى الآن ما يقرب من 400 ألف سوريا، وهجر أكثر من ثلاثة عشر مليون شخصا ما بين هجرة داخلية وخارجية، ودمر معظم مدن سورية، وأهلك الحجر والبشر والشجر، ومع ذلك ما زال يقبع علىرأس الحكم يمارس مزيدا من الإجرام والقتل والتدمير والتهجير، لكن الثورة ماضية كما هو واضح وهي تتقدم في مختلف قطاعاتها.

فقد رأينا أن الثورة تغلبت على أكبر عقبة وهي الشرذمة والتجزؤ والانفرادية، فقد حدث الاجتماع والتوحد في كل القطاعات الدينية والعسكرية والسياسية، ونحن نطمع إلى مزيد من التوحيد والاجتماع، كما نطمع إلى المزيد من الإصرار على الإطاحة ببشار الأسد ونظامه ورموزه وعدم التراجع عن هذا المطلب فهذه وصية الشهداء والأرامل والثكالى والمعاقين، وهذا دَين لهم في أعناق الأحياء من القادة العلماء والقادة العسكريين والقادة السياسيين.

من الواضح أن الثورة السورية لا أصدقاء لها، بل خذلها أصدقاؤها في كثير من المواقف، وبخاصة في مواقف التسليح، فلم  يمدها أصدقاؤها على كثرتهم بمضادات للدبابات ولا مضادات للطائرات، مما جعل آلة النظام تستفحل في قتل الشعب السوري، في حين أن النظام المجرم يمده شريكاه في الإجرام: إيران وروسيا، بكل السلاح والعتاد والبراميل المتفجرة اللازمة، كما يمده الشريك الإيراني برجال العصابات من مختلف أنحاء الأرض من لبنان والعراق واليمن وأفغانستان إلخ ….، فهناك حزب الله وعصائب الحق ولواء أبو الفضل العباس إلخ …..

إن الثورة السورية ثورة مجيدة خذلها أصدقاؤها، ونصرها الله تعالى، وسينتصر رجالها بإذن الله، وسينهزم أعداؤها ثم يذهبون إلى مزبلة التاريخ.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *