دراسات مختارة

مصر ضحية الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت المنطقة

print

(نشر الكاتب حسن نافعة سلسلة من أربعة مقالات عن المنطقة، ننشر اليوم الحلقة الثانية منها. نقلا عن جريدة الحياة بتاريخ 12/7/2007.)

أشرت في المقال السابق والذي بدأت به هذه السلسلة من المقالات المخصصة للتعريف بملامح الاستراتيجية الصهيونية لتفتيت العالم العربي، إلى أن دراسة أوديد ينون المنشورة عام 1982 تعد الأكثر شمولاً وتفصيلاً عن حقيقة ما يدور داخل العقل الصهيوني حول سبل إدارة الصراع مع العالم العربي وأكثرها فاعلية في تمكين المشروع الصهيوني من تحقيق الانتصار النهائي بإقامة دولة يهودية كبرى ومهيمنة في المنطقة، وشرحت أسباب مطالبتي بالتعامل مع هذه الدراسة كخطة فعلية للحركة الصهيونية وليس كمجرد وجهة نظر لكاتب يهودي مغمور أو ديبلوماسي إسرائيلي سابق. وأود أن أعيد التذكير هنا بأن دراسة ينون المشار إليها نشرت أولاً باللغة العبرية في شباط (فبراير) 1982 بعنوان: «استراتيجية إسرائيل في الثمانينات Strategy for Israel in the Nineteen Eighties» ، في مجلة تعنى بالشأن اليهودي وبالحركة الصهيونية اسمها Kivunim، ومعناها باللغة العربية اتجاهات أو directions، وأن جمعية الخريجين العرب الأميركيين اهتمت بها عقب الغزو الإسرائيلي للبنان وكلفت البروفيسور إسرائيل شاحاك، الناشط الإسرائيلي المعروف، بترجمتها إلى اللغة الانكليزية، وهو الذي كتب للطبعة الإنكليزية مقدمة وخاتمة ونشرها تحت عنوان «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط The Zionist Plan for the Middle East» للتأكيد على أن ما كتبه ينون حينئذ كان أكثر من مجرد وجهة نظر شخصية لصحافي أو لديبلوماسي إسرائيلي سابق.

إن أول ما يصدم المرء عند مطالعته لورقة ينون هو موقع مصر المركزي في استراتيجية الحركة الصهيونية لتفتيت العالم العربي. فرغم أن ينون كتب ورقته بعد حوالي خمس سنوات من زيارة الرئيس السادات للقدس وأربع سنوات من توقيع مصر على اتفاقيتي كامب ديفيد وثلاث سنوات من دخول معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية حيز التنفيذ، ورغم علمه التام بأن توقيع مصر على معاهدة سلام مع إسرائيل كلفها تضحيات هائلة وتسبب في عزلتها عن العالم العربي وفقدانها لجزء كبير من هيبتها الدولية ومن مكانتها بين الأمم، إلا أن ذلك كله لم يشفع لمصر أو يجنبها شر ما كانت تحيكه لها الحركة الصهيونية من مخططات، فمن الواضح تماما أن صورة مصر لدى هذه الحركة لم تتغير بعد معاهدة السلام عما كانت عليه قبلها.

كان من الواضح أن ينون يدرك أنه ليس بوسع أي استراتيجية لتفتيت العالم العربي أن تنجح إلا إذا كان باستطاعتها إضعاف الدولة التي تضم ثلث سكان العالم العربي وتعتبر المرشحة الطبيعية لزعامته، لذا فقد كان من الطبيعي أن يحاول إثبات أن مصر ضعيفة وأنها قابلة للتفكيك، وبالتالي فليس بوسعها أن تحمي العالم العربي من التفكك والسقوط. ولإثبات نظريته هذه، قدم ينون ثلاث أطروحات:

الأولى: تتعلق بطبيعة النظام السياسي المصري، والتي حاول فيها إثبات أنه نظام عقيم ومفلس ويتمتع بدرجة عالية من عدم الكفاءة، وأن جهاز الدولة في مصر وصل إلى درجة من البيروقراطية والتعقيد جعلته يبدو عاجزا تماما عن القيام بأي مبادرة أو تحقيق إنجاز يذكر في أي مجال من المجالات. ورغم تسليم ينون بأن الجيش المصري يمثل حالة استثنائية وأن بمقدوره أن يفلت أحيانا من القبضة الرهيبة للبيروقراطية المصرية، كما فعل في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 إلا أنه ادعى أن بقية القطاعات باتت في حال يرثى لها ومشغولة بالمحافظة على بقائها وإعادة إنتاج نفسها إلى الدرجة التي تجعل الدولة نفسها شبه مشلولة وعاجزة عن تحقيق القدرة على الانطلاق.

الثانية: تتعلق بطبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي والتي ادعى فيها ينون أن مصر دولة غزيرة السكان، شحيحة الموارد، ومتخلفة علمياً وتكنولوجياً وتكاد لا تجد ما يسد رمق سكانها الذين ما زالوا يعيشون بأعداد هائلة على رقعة محدودة من الأرض الزراعية لا تتجاوز سوى نسبة ضئيلة جداً من إجمالي المساحة الكلية للبلاد. صحيح أن المعونة الأميركية تساعد مصر على التخفف من أعبائها، لكن هذه المعونة ترتبط عضويا في رأيه بعملية السلام وبالتالي فهي مؤقتة بطبيعتها ومن الصعب ضمان استمرار بقائها طويلا. على صعيد آخر اعتبر ينون أن النظام الاجتماعي المصري يقوم على أسس طبقية وينطوي على مظاهر تمييز عديدة تمكن شريحة محدودة جدا من السكان من مضاعفة ثرواتها بسرعة والاستحواذ على النسبة الأكبر من إجمالي الدخل القومي في الوقت الذي يزداد فيه فقر الأغلبية الساحقة من السكان يوما بعد يوم! ولأن نظامها الخدمي، وخصوصا التعليمي والصحي يبدو متهالكا هو الآخر، فليس من المتوقع أن يتيح لمصر، كما يدعي ينون، انطلاقة تنموية حقيقية في المدى المنظور.

الثالثة: تتعلق بحال الاستقرار والتعايش الطائفي والمذهبي، والتي ادعى ينون أنها سيئة بسبب وجود أقلية قبطية كبيرة العدد مضطهدة أو مهمشة ومستبعدة من المشاركة في العمل العام، ولأنها تبلغ ما يقارب 10 في المئة من إجمالي عدد السكان وتشكل أغلبية في جنوب البلاد (صعيد مصر) فقد أصبحت أكثر ميلا للعزلة وعدم الرغبة في التعايش مع الأغلبية، خصوصاً في ظل تنامي التيارات التي تنتمي إلى الأصولية الإسلامية، وأنها ربما تكون جاهزة للانسلاخ عن الوطن الأم والتفكير في الاستقلال.

واستناداً إلى هذه الأطروحات الثلاث التي تعامل معها بوصفها حقائق لا تقبل الجدل، توصل ينون إلى نتيجة مفادها أن مصر تبدو في ظاهرها دولة قوية، لكنها في حقيقتها ليست سوى دولة هشة وضعيفة، وأن هذه الحقيقة راحت تتكشف منذ عام 1956 إلى أن تحولت إلى حقيقة مسلم بها عقب هزيمة 1967 التي أدت إلى خفض قدرات مصر الحقيقية بمقدار النصف على الأقل. ويعتقد ينون أن استعادة مصر لسيناء، بما تحتوي عليه من ثروات طبيعية خصوصاً في مجال الطاقة والغاز، مكنتها من استعادة بعض عافيتها وأن على إسرائيل أن تحول دون ذلك وأن لا تسمح لمصر بالتقاط أنفاسها من جديد.

في سياق كهذا لم يكن من المستغرب أن يقترح ينون على إسرائيل، في إطار استراتجيته الكلية الخاصة بتفتيت العالم العربي، أن تتبنى تجاه مصر سياسة تستهدف العمل على خطين متوازيين: الأول يستهدف استعادة سيناء مرة أخرى، والثاني يستهدف تشجيع قيام دولة ذات أغلبية قبطية في جنوب مصر.

وفي ما يتعلق بالخط الأول يلاحظ أن ينون يحذر إسرائيل من تبني سياسة الحلول الوسط، خصوصاً تلك التي تتضمن تنازلات إقليمية أو التخلي عن أي أراض تحتلها، ومن اللافت أنه حرص عند هذه النقطة على تجنب أي حجج لها صلة بأرض إسرائيل التاريخية واستبدل بها حججاً ذات طابع اقتصادي في المقام الأول، تنطلق من رغبته في تأمين احتياجات إسرائيل المتزايدة لمصادر الطاقة المختلفة، بخاصة من النفط والغاز ومن المعادن الكثيرة والمتنوعة التي تحتوي عليها سيناء، وهو ركن حاسم في الاستراتيجية الخاصة ببناء القدرة الذاتية لإسرائيل. ومع ذلك فبوسع الباحث المدقق أن يدرك أن ينون يرمي إلى ما هو أبعد وأنه يشير، تلميحا تارة وتصريحا تارة أخرى، إلى استراتيجية بعيدة المدى تنظر الى سيناء باعتبارها منطقة خفيفة السكان وقابلة للتوسع والامتداد العمراني الذي يصلح لاستيعاب فلسطينين قد يضيق بهم قطاع غزة المكتظ، أو باعتبارها منطقة صالحة لتوطين نسبة من اللاجئين الفلسطينيين في إطار حل دائم لمشكلتهم، أو حتى لاستيعاب المزيد من المهاجرين اليهود المتوقع تدفقهم على إسرائيل من مختلف أنحاء العالم، خصوصاً في ظل التحول التدريجي المتوقع لإسرائيل كقوة عظمى مهيمنة في المنطقة.

أما في ما يتعلق بالخط الثاني الذي يستهدف العمل المنظم لتعميق الخلافات بين المسلمين والأقباط في مصر والدفع في اتجاه قيام دولة ذات أغلبية سنية في الشمال وأخرى ذات أغلبية قبطية في الجنوب، فيلاحظ أن ينون ينطلق في تحقيق هذا الهدف من قناعته بأمرين على جانب كبير من الأهمية: الأول أنه يمثل أحد أقصر الطرق وأضمنها لإضعاف الدولة المركزية في مصر وحرمان العالم العربي من قوة كانت وما تزال مرشحة دائما لقيادة المنطقة نحو التكامل والوحدة، والثاني: أنه أحد أقصر الطرق وأضمنها لخلق أجواء مواتية لتفتت الدولتين المجاورتين لمصر، وهما ليبيا والسودان، على نحو طبيعي وتلقائي من دون حاجة لتدخل مباشر، إذ يعتقد ينون أن ليبيا والسودان لن يصمدا أبداً إذا ما تفتت مصر.

في سياق كهذا يمكن القول إن خريطة الدولة المصرية بحدودها الحالية مرشحة للتغير، إذا ما نجحت اسرائيل في تحويل استراتيجيتها لتفتيت العالم العربي إلى حقيقة واقعة، وذلك على النحو التالي:

1- فصل سيناء عن مصر ووضعها من جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية.

2- دولة ذات أغلبية سنية في شمال الدلتا.

3- دولة ذات أغلبية مسيحية في صعيد مصر.

وعلى رغم أن ينون لا يطالب صراحة باستخدام القوة المسلحة، خصوصاً لتحقيق الهدف المتعلق بفصل سيناء عن مصر، إلا أنه يبدو على ثقة من أن السياسة المصرية سترتكب ما يكفي من الأخطاء لتمكين إسرائيل من استغلالها كأعذار تسمح لها بتحقيق أهدافها.

يبقى في النهاية أن نلفت الأجيال الجديدة من شبابنا العربي، خصوصا في مصر، إلى دلالة توقيت نشر هذه الاستراتيجية. فقد نشر ينون دراسته في شباط (فبراير) 1982، أي بعد أشهر قليلة من اغتيال الرئيس أنور السادات، وقبل أن تكمل إسرائيل انسحابها من سيناء والذي كان مقررا له أن يكتمل في 25 نيسان (إبريل) من العام نفسه، ورغم أن إسرائيل أكملت انسحابها من مصر في التاريخ المحدد، إلا أنه يلاحظ أنها افتعلت نزاعا حول طابا لاستخدامه «مسمار جحا» قد يسمح لها، إن سنحت الفرصة، بالعودة لاحتلال سيناء، كما يلاحظ أن إسرائيل قامت بعد أشهر قليلة من نشر دراسة ينون بغزو لبنان في 5 حزيران (يونيو) عام 1982 وأقدمت، في سابقة من نوعها، على محاصرة بيروت وتنصيب أحد الموالين لها رئيسا للدولة ودفعت الى ابرام معاهدة سلام معها. ولو أن الأمور سارت على نحو ما تشتهيه السفن الإسرائيلية وتمكنت من فرض هيمنتها على المشرق العربي بعد استتباب الأوضاع لها في لبنان، لكانت استدارت نحو مصر ولبحثت لنفسها عن أعذار تبرر لها العودة من جديد لاحتلال سيناء ولوجدت ألف حجة لتبرير فعلتها، ثم لكانت تفرغت بعد ذلك للتدخل في شؤون مصر الداخلية والعمل بكل ما أوتيت من قوة لتعميق التناقض بين أقباطها ومسلميها!

فهل بوسع شبابنا في مصر أن يدركوا أن صمود المقاومة اللبنانية ونجاحها في اسقاط معاهدة أيار (مايو) 1983 بين لبنان واسرائيل ثم اندلاع الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة هو الذي أعاق تنفيذ الاستراتيجية الإسرائيلية الخاصة بتفتيت العالم العربي وبالتالي حمى مصر، ولو موقتا، من المخطط الذي كانت إسرائيل تتهيأ لتنفيذه على أرضها؟ وهل يدرك شبابنا أن الفشل الذي انتهت إليه إسرائيل في لبنان حمى المشرق العربي كله من مخطط التفتيت على النحو الذي سنلقي عليه الضوء تفصيلا في مقالنا المقبل. صحيح أن هذا الفشل لم يجعل إسرائيل تيأس أو تتخلى نهائياً عن خطتها للتقسيم وراحت تتحين كل فرصة ممكنة لإعادة إطلاق خطتها من جديد، وتصورت أنها عثرت على هذه الفرصة بعد ذلك بسنوات، ولكن من باب الأزمة العراقية هذه المرة، غير أن الرياح لم تهب مرة أخرى على نحو ما اشتهته السفن الإسرائيلية. ومع ذلك لم تيأس إسرائيل وما تزال تنتظر. لذلك ننصح شبابنا بإعادة قراءة ما كتبه ينون وأن لا يكتفون بما سنوضحه من هذه الاستراتيجية في مقالاتنا المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى