قضايا فكرية

النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة: كيف نتعامل معه؟

print

نشر الكاتب عادل ضاهر في الملحق “آفاق” الصادر عن جريدة “الحياة” خمس حلقات تحت عنوان (الاجتهاد مجدداً) بدءاً من العدد ذي الرقم (12035) المؤرخ في
5/شباط/1996م وانتهاء بالعدد ذي الرقم (12062) المؤرخ في 4/آذار/1996م. ونظراً لأهمية الموضوع واتساع تداوله في الساحة الفكرية الإسلامية أحببت أن أدلي فيه بدلوي لأجلو بعض النقاط، وأساهم في التوصل إلى نتائج محددة في مجال التعامل مع النص القطعي الدلالة.

        بدأ الكاتب حلقاته فبيّن بأنه سيتناول موقف “التقليديين” الذي ينطلق من عدم جواز الاجتهاد مع وجود النص، ويحدد النص الذي يتناوله عدم الاجتهاد وهو النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة، ويرى أنه من أجل عدم تجويز الاجتهاد في النص القطعي الدلالة يجب أن نحدد أولاً ما هو النص الذي نستطيع أن نقول عنه لأول وهلة إنه نص قطعي الدلالة ويتساءل بعد ذلك: ما هو المعيار الذي يمكن أن نقرر على أساسه أن نصاً ما قطعي الدلالة؟ وهو من أجل الإجابة على السؤال السابق ينقل ثلاثة معايير مطروحة في مجال الإجابة على السؤال السابق من قبل “التقليديين”، وهي:

الأول   : معيار اتفاق كل العقول.

الثاني   : معيار اتفاق ذوي الكفاية اللغوية والفقهية.

الثالث  : معيار اتفاق الذين لا تخضع عقولهم لأية مؤثرات أيديولوجية.

        ويناقش الكاتب كل معيار على حدة، ويصل إلى أن هذه المعايير غير متماسكة لذلك فهي لا تصلح لأن تكون معياراً تحدد على أساسه النص القطعي الدلالة، لكنه وهو في طرحه تلك المعايير ومناقشتها لم يعرض رأي الفقه الإسلامي بخصوص النص القطعي الدلالة والذي يقوم على معيار لغوي، والذي يعتبر أن المعنى في النص القطعي الدلالة هو المعنى الذي يفهمه  ذوو اللسان العربي المعاصرون لمحمد r وقت نزول القرآن فهماً واحداً ولا يختلفون عليه، إن مثل هذا الفهم هو الذي يحدد النص القطعي الدلالة، فمثلاً عندما قرأ الرسول r على الأعراب قوله تعالى: ]والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة[ (النور،2)، فَهِم الجميع أن عقوبة الزاني الذي يقع في جريمة الزنا أن يجلد مائة جلدة، وعندما قرأ قوله تعالى: ]قل هو الله أحد[ (الإخلاص،1)، فَهِم كل العرب من هذه الآية: “أن الله واحد وليس اثنين”، ولو اختلفت الأفهام في هذه النصوص لسألوا الرسول r عنها.

        ثم ينتقل الكاتب في الحلقة الثانية من دراسته إلى افتراضات “التقليديين” بخصوص النص القطعي الدلالة القطعي الثبوت فيورد أربع افتراضات هي:

الافتراض الأول: دلالة أي نص واحدة للجميع:

        وهو في مجال تفنيده لهذا الافتراض يذكر أن هناك اختلافاً واقعاً بين فئتين من العلماء حول أي نص من النصوص القطعية الدلالة ويذكر في الطرف الأول علماء ومفكرين مثل: محمد أركون، فؤاد زكريا، وعلي عبد الرزاق، وحسن حنفي، وفي الطرف الثاني: محمد الغزالي، ويوسف القرضاوي، وسيد قطب، إن وقوع هذا الاختلاف بين هاتين الفئتين من المفكرين يدعونا لنسف افتراض “التقليديين” بأن دلالة النص واحد للجميع، ولكن الكاتب ينسى في معرض نسفه لهذا الافتراض أن الذي يحدد الدلالة في النص القرآني أو الحديثي ليس أياً من الطرفين المذكورين إنما هو الرسول r والصحابة y الذين تنـزّل القرآن عليهم، وإننا نعتبر فهم الغزالي والقرضاوي وقطب أصوب بمقدار ما يطابق هذا الفهم.

الافتراض الثاني: دلالة النص القطعي الدلالة ذات ماهية ثابتة:

        الكاتب ينفي ذلك ويستند في ذلك إلى التطورات في مجال العلوم اللسانية وفلسفة اللغة، ويوضح أن أية دلالة لأي نص ترتبط بالشروط الثقافية والاجتماعية للبشر، وهو يضرب مثالين لنصين باللغة الإنكليزية أحدهما: يتعلق بالحشمة في اللباس، ويقرر الكاتب أن ما يعنيه هذا النص للإنكليزي في العصر الفيكتوري غير ما يعنيه للإنكليزي اليوم، وذلك بسبب اختلاف مفهوم الحشمة من عصر لآخر. والنص الثاني يتعلق بالعقاب، ويوضح الكاتب أن قراءة نص كهذا لا ينفصل عن اعتبارات مفهومية مستقلة عن مفهوم العقاب العادل، ثم يمضي الكاتب فيوضح أن موقفه ينطلق من نسبية الثقافة ويوضح أن على الإسلاميين أن يدحضوا نظرية نسبية الثقافة من أجل تدعيم موقفهم.

        لا يتسع المقام في هذه العجالة لمناقشة مجالات العلوم اللسانية وفلسفة اللغة ونسبية الثقافة، لكن لنفترض بأن مسلماً عاش في العصر العثماني قرأ نصاً عن الحشمة في العصر العباسي، ما الذي سيفهمه هذا المسلم؟ هل سيفهم شيئاً غير ما فهمه المسلم المعاصر لتاريخ ذلك النص؟

        في تقديري سيفهم المسلم الذي عاش في العصر العثماني عن أمور “الحشمة” نفس ما فهمه المسلم الذي عاش في العصر العباسي، والسبب في ذلك أن عدة مفاهيم مرتبطة بالحشمة معروفة عند الطرفين مثل: حدود الحجاب، تحديد المحارم، ضوابط الخلوة، حكم الزنا، عقاب الزاني، آداب الكلام، المباح ظهوره من الرجل، المباح ظهوره من المرأة، مواصفات لباس المرآة، مواصفات لباس الرجل إلخ… نجد أن هذه الثوابت الموجودة عند الطرفين تجعل فهمها للنص موحّداً.

        والسؤال الآن: هل كل مفاهيم الإسلام ثابتة؟ هل كل مفاهيم الإسلام متغيرة؟ ولماذا هناك مفاهيم ثابتة؟ ولماذا لا تكون كل المفاهيم متغيرة؟

        الجواب على ذلك: إن هناك مفاهيم ثابتة وهناك مفاهيم متغيرة وهذا مرتبط في نظر الإسلام بطبيعة الإنسان وفطرته التي خلقه الله عليها، فهناك أشياء ثابتة في فطرته لا تتغير منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن هذه الأمور الثابتة “شهوة الذكر للأنثى وشهوة الأنثى للذكر”، ولا يمكن أن نتخيل مجتمعاً بشرياً دون وجود علاقة الجذب بين الذكر والأنثى لذلك أقام الإسلام أموراً ثابتة حول هذه العلاقة منها: إيجاب اللباس وتحريم العري، وتنظيم العلاقة من خلال الزواج، وتحريم أية علاقة خارج إطار ميثاق الزواج، وتحريم علاقة الذكر بالذكر (اللواط) والأنثى بالأنثى (السحاق)، وتحديد الذي يباح إظهاره لكل من الذكر والأنثى إلخ…

        إن تلك أمور ثابتة بسبب ثبات انجذاب كل من الذكر والأنثى إلى الآخر، لكن الإسلام ترك أموراً أخرى غير محددة في مجال كل حكم من الأحكام السابقة وتركها للظروف المحيطة وللتطورات البشرية. ففي مجال إيجاب اللباس: لم يحدد مادة اللباس الذي يلبسه المسلم هل هو من القطن؟ أم من الصوف؟ إلخ… ولم يحدد شكله بالضبط، لذلك بقيت الشعوب الإسلامية التي دخلت الإسلام تلبس لباسها الشعبي الذي توارثته، فلباس الشعب الهندي يختلف في بعض تفصيلاته عن الشعب التركي وهذا الأخير يختلف عن لباس الشعب العربي إلخ…

        ومن هذه الأمور الثابتة التي أقرها الإسلام “حب التملك”، لأن الإنسان مفطور على هذا الأمر، لذلك أباح له التملك، لكنه ترك تفصيلات كثيرة في مجال التملك لم يلزمه بها. ومن هذه الأمور الثابتة “اجتماع البشر”، لذلك أوجب الإسلام الاجتماع، وسنّ من التشريعات ما يناسب هذا الاجتماع وعلى رأسها إيجاب الشورى، لكنه ترك تفصيلات تطبيق مبدأ الشورى حسب زمان المسلمين ومكانهم.

        ومن هذه الأمور الثابتة في فطرة الإنسان “الخوف”، ولا يمكن أن يفارق الخوف الإنسان، فالإنسان يخاف من المستقبل، يخاف على المال، يخاف على الولد، لذلك قال تعالى: ]إن الإنسان خلق هَلوعاً. إذا مسه الشر جَزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً[
(المعارج،19-21)، لذلك وجّه الإسلام شعور الخوف عند الإنسان المسلم إلى الآخرة وإلى مقام الله فقال تعالى: ]ولمن خاف مقام ربه جنتان[ (الرحمن،46)، وقال تعالى: ]وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى[ (النازعات،40-41)،
وقال تعالى: ]وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون[ (النحل،51)، إذن عندما جعل الإسلام بعض أحكامه ثابتة لم يكن ذلك عبثاً إنما جعلها كذلك لأن هناك أموراً بثابتة في كيان الإنسان وفي تركيبته الفيزيولوجي والنفسي لذلك رأى الإسلام هذا الكيان وهي الفطرة وجعل بالتالي أموراً ثابتة في حياته.

الافتراض الثالث: تجريد النص القطعي الدلالة عن سياقه:

        أثناء تحليله لهذا الافتراض يعترف الكاتب أن “التقليديين” الذين يعطلون الاجتهاد في هذه النصوص – حسب رأيه – لا يقطعون هذه النصوص من سياقها لأنهم قد أجابوا على أسئلة من مثل: من المخاطب بهذا النص؟ ومن المخاطب؟ ولأي؟ وهل المقصود بهذا الخطاب البشر المعاصرين لنـزول النص أم كل البشر في كل زمان ومكان؟ إلخ…

        ومع اعتراف الكاتب بتلك الحقيقة يصر على عدم قبوله لإجاباتهم، وما ذلك إلا لأنه يطبق مناهج معيّنة على نصوص ليست لغوية فحسب، إنما هي نصوص دينية نزلت من الله على نبي اسمه محمد r والمقصود بها البشر جميعاً، والمطلوب تنفيذها في كل زمان ومكان، إن اعتراف الإسلاميين بهذه الحقائق وعدم إنزال الكاتب لتكل الحقائق منـزلها هو موطن الخلاف وليس وجود سياق للنص أو عدم وجود سياق له، وإن هذا الاعتراف من قبل الإسلاميين بتلك الحقائق ليس في هذا العصر وحده، إنما مضى عليه ما يزيد من الألف سنة، وهذه الحقائق مرتبطة بتلك النصوص، كما أن تلك النصوص مرتبطة بتلك الحقائق، وكل من تعامل مع هذه النصوص كان يضع تلك الحقائق كجزء منها.

الافتراض الرابع: الحكم المستفاد من النص القطعي الدلالة ثابت على نحو مطلق:

        يعتبر الكاتب أن هذا الموقف يشتمل على ثلاث مصادرات:

الأولى  : الشريعة ذات وضع إلهي.

الثانية   : نصوص الشريعة ليست تاريخية ذات دلالة ثابتة على نحو مطلق.

الثالثة   : أن قصد الله من إنزالها هو تقييدنا بها بغض النظر عن الظروف الزمانية والمكانية.

        والكاتب بصدد حديثه عن القضية الأولى: “الشريعة ذات وضع إلهي” ينطلق من مغالطة كبيرة هي اعتباره الحديث ليس من معطيات الوحي ويقوده هذا إلى استغراب التسوية بين القرآن والحديث.

        الحقيقة: إن القرآن والحديث ليسا في منـزلة واحدة بل القرآن مقدم على السنة في المكانة التشريعية لعدة أسباب لا مجال لذكرها، لكنهما – كليهما القرآن والحديث – تشريع إلهي لأن القرآن وحي من الله عن طريق جبريل والحديث وحي من الله من طرق أخرى.

        لقد وقع الكاتب في الخطأ السابق نتيجة اعتباره أن هناك صورة واحدة من الوحي: هي نزول جبريل بكلمات الله، لكن القرآن علّمنا أن هناك عدة صور للوحي جمعتها الآية ]وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم[ (الشورى،51)، وبيّن لنا الإسلام أن هناك وحياً عن طريق الإلهام، أو عن طريق الرؤيا كما حدث مع إبراهيم في ابنه إسماعيل عليهما السلام، أو عن طريق تصحيح الخطأ إذا كان لا يريد الله تعالى أن يفعل رسوله r فعلاً كما حدث في أسرى بدر عندما نزل الوحي بترجيح رأي عمر t على رأي الرسول وأبي بكر فقال تعالى: ]ما كان لرسول أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض[ (الأنفال،67).

        وكما نزل الوحي بأمر الرسول r أن يصبر نفسه مع صحابته الفقراء بعد أن حدّث الرسول r نفسه بأن يستجيب لطلبات كبار قريش بأن يبعد فقراء المسلمين عن مجلسه فقال تعالى: ]واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرانا واتّبع هواه وكان أمره فُرُطاً[ (الكهف،28).

        إذن الحديث من الله ومن معطيات الوحي، ولكن له منـزلة ثانية بعد القرآن الكريم وفي تقديري لا تعارض بين أن يكون القرآن والحديث مختلفي المنـزلة في سلّم الشريعة وبين كونهما من الله، أما فيما يتعلق بالاجتهاد حول صحة أحاديث النبي r وفرز الصحيح عن الموضوع والضعيف فإن المسلمين القدماء وضعوا ضوابط وصنّفوا قواعد من أجل تنقية أحاديث النبي r وقد وصلوا إلى تصنيف كل أحاديث الرسول r وأعطوها الحكم المناسب صحة وضعف، وقد بقيت نسبة ضئيلة من الأحاديث خاضعة للاجتهاد في رفع مرتبتها أو خفضها ضمن الضوابط التي أصّلها علماء الحديث ولكن مثل إعادة النظر هذه لا تشكل جرحاً في إلهية الحديث بحال من الأحوال، لأنه نظر واجتهاد في نطاق آخر.

        المصادرة الثالثة تقوم على أن قصد الشارع تقييدنا بالنصوص القطعية الدلالة بشكل مطلق، لكن الكاتب يؤكد ويبرز أن النصوص ذاتها لا يمكن أن توحي بهذا المعنى، ويستنتج من ذلك أن القضية خلافية، وبالتالي يعتبر أن وجهة النظر الأخرى التي تقول في أن النصوص القطعية الدلالة لسنا ملزمين بتطبيقها في كل زمان ومكان لها نفس قوة وجهة النظر المعاكسة.

        القضية – ابتداءً – ليست  خلافية، إننا نعتبر بأن نصاً قرآنياً كقوله تعالى: ]للذكر مثل حظ الأنثيين[ (النساء،11)، نفهم منه حكماً رئيسياً هو أن حصة الذكر في اقتسام الميراث يساوي حصة أنثيين، وأية معان أخرى مرتبطة بهذا الحكم مثل استمرار تطبيق هذه القاعدة في كل زمان ومكان تؤخذ من نصوص أخرى مثل قوله تعالى: ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[ (الأنبياء،107)، ]إن الدين عند الله الإسلام[ (آل عمران،19)، ]ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه[ (آل عمران،85)، ]إن هو إلا ذكر للعالمين[ (التكوير،27)،
]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[ (المائدة،3)، ]قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو فآمنوا بالله ورسوله النبي الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون[ (الأعراف،158)، هذا صحيح، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يحتوي القرآن الكريم والحديث الشريف على نص يدعو إلى عدم شمول أحكام الإسلام لكل الأزمنة والأمكنة؟ الجواب بكل وضوح: لا يحتوي القرآن والحديث على مثل هذا النص، ومما يؤكد عدم وجود مثل هذا الفهم وإلى أن قضية شمول أحكام الإسلام لكل الأزمنة والأمكنة ليست خلافية هو أن هذه النصوص القطعية طبقت أكثر من ألف عام على اتساع العالم الإسلامي ولم ينقل أحد شذوذاً أو اختلافاً عليها.

الله مطلق فالذي يصدر عنه مطلق:

        ويعرض الكاتب حجة أخرى من حجج “التقليديين” والتي تقول بأن الله مطلق فلا يصدر عنه بالتالي إلا مطلق، ثم يوضح أن اللفظ مطلق لفظ مشترك لابد من توضيح الدلالات المختلفة لكلمة “المطلق”، ويوضح أن هناك ثلاث دلالات، وينتهي الكاتب إلى أن الله مطلق وإن المعرفة الإلهية التي نزود بها مطلقة، لكن موضوع ومضمون هذه المعرفة قد يكون مطلقاً أو لا يكون، وهذا يتوقف على طبيعة الموضوع وليس على طبيعة المعرفة.

        لا خلاف مع الكاتب في هذه النقطة مع توضيح بسيط هو أن هذا العلم الآتي من الله تعالى ليس علماً صحيحاً فحسب بل علم فيه حكمة وخبرة وشمول رحمة.

        يشير الكاتب في الحلقة الرابعة إلى أن هذه القواعد الشرعية التي ألزمنا الشرع بها مثل: قطع يد السارق، وجلد الزاني، وجلد شارب الخمر، وتوزيع أنصبة الوراثة بصورة معينة إلخ… ليست هدفاً في حد ذاتها بل هي وسيلة إلى هدف أكبر هو قطع دابر السرقة أو الزنا، والغاية الأخيرة ليست نهائية، بل تكتسب قيمتها في غاية أعلى منها هي: تحقيق الخير العام أو المنفعة العامة.

        ثم يشير الكاتب إلى أن المسألة كانت معروفة عند العلماء المسلمين فيقول:
“لم تخف المسألة الأخيرة على قدامى الفقهاء مثل ابن القيم الجوزية وسواه، فنظروا إلى قواعد وأحكام الشريعة على أنها مستمدة من مبادئ عامة كمبدأ (المصالح المرسلة) أو مبدأ (لا ضرر ولا ضرار) أو مبدأ (العدالة) “. ويبدي استغرابه لموقف الفقهاء المعاصرين وهم: محمد الغزالي وسيد قطب وطارق البشري الذي يقوم على تمسكهم بنظرة الفقهاء القدماء إلى كون الشريعة مستمدة من مبادئ عامة ومع ذلك يصرون على حظر الاجتهاد حولها باعتبار كونها ثابتة ومطلقة.

        ثم يرى الكاتب أنه لا يمكن التوفيق بين فكرتين: الأولى: قواعد وأحكام الشريعة مستمدة من مبادئ عامة. الثانية: قواعد وأحكام الشريعة مطلقة وغير قابلة للاجتهاد. ويدلّل الكاتب على وجهة نظره بثلاثة أدلة هي:

الأول   : يعتبر الكاتب أن المبادئ الأساسية التي تُستمد الشريعة منها تخضع للاجتهاد، وكذلك يخضع ترتيبها في النظام الهرمي للقيم، فإذا كانت المبادئ وترتيبها يخضعان للاجتهاد فمن باب أولى أن تخضع القواعد المنبثقة عن هذه المبادئ للاجتهاد.

الثاني   : إن اشتقاق الأحكام والقواعد من المبادئ العامة ليست شأناً قبلياً بل لابد أن تتوسط عملية الانتقال من المبادئ العامة إلى القواعد معرفة الوضع الإنساني في واقعه وخصوصياته ويتأثر تطبيقها بالظروف المتغيرة.

الثالث  : قد يسوغ المبدأ العام تطبيق قاعدة واحدة على وضع ما، لكن الوضع يقتضي الاختيار، ففي هذه الحالة لابد من الاجتهاد للانتقال من المبدأ العام إلى أية القواعد تطبق على هذا الوضع.

        لقد وقع الكاتب في خطأ رئيسي وهو: اعتباره بأن الشريعة مستمدة من مبادئ معينة مثل: المصالح المرسلة، لا ضرر ولا ضرار، المنفعة العامة، الخير إلخ… والحقيقة إنها وحي الله و كلامه، وإذا استعملنا تعبيراته – أي الكاتب – فهي – أي الشريعة – مستمدة من الله، وليست من المبادئ المذكورة، وعندما قال الفقهاء إن الشريعة عدل كلها أو رحمة كلها، ومصالح كلها، أو أن الأنبياء جاءوا بالشرائع لتحقيق مصالح العباد وأهمها: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، لم يقصدوا أن الشريعة مستمدة من هذه المبادئ ولكن قصدوا أن استقراءهم لكل جزئيات الشريعة وتطبيقاتها وأحكامها جعلهم يتوصلون إلى هذه الحقيقة، وقصدوا أن الله تعالى عندما تعبّدنا بأفعال معينة وأعمال محددة لم يتعبّدنا بها عبثاً وسدى، إنما كانت هناك حكمة معينة ومصالح كثيرة. وقصدوا شيئاً آخر هو أن تطبيق أوامر الشريعة ونواهيها مجرد التطبيق سيؤدي إلى تحقيق الخير والمنفعة وحفظ النسل والعقل والمال، وإن عدم التطبيق سيؤدي إلى عكس ذلك، وتأكيداً لما أقوله سأنقل كلام عالمين من علماء الإسلام تعرضا لهذا الموضوع هما: ابن قيم الجوزية والشاطبي.

        يقول ابن قيم الجوزية: “بأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى         ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله r أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل كليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا، وطوي العالم، وهي  العصمة للناس، وقوام العالم، ولا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه خراب الدنيا وطي العالم رفع ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة” (1).

        ويقول الشاطبي: “والمعتمد إنما هو أنما استقرينا من الشريعة أنها وُضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي، ولا غيره, فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل: ]رسلاً مبشرين ومنذرين لئلاّ يكون على الله حجّة بعد الرسل[ (النساء،165)،
]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[ (الأنبياء،107)، وقال في أصل الخلقة: ]وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً[
(هود،7)، ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ (الذاريات،56)، ]الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً[ (الملك،2).

        أما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى، كقوله بعد آية الوضوء: ]ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم وليتم نعمته عليكم[ (المائدة،6)، وقال في الصيام: ]كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون[ (البقرة،183)، وفي الصلاة: ]إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر[ (العنكبوت،45)، وقال في القبلة: ]فولّوا وجوهكم شطره لئلاّ يكون للناس عليكم حجّة[ (البقرة،150)، وفي الجهاد ]أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا[ (الحج،39)، وفي القصاص:
]ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب[ (البقرة،179)، وفي التقرير على التوحيد:
]ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إن كنا عن هذا غافلين[
(الأعراف،172)، والمقصود التنبيه.

        وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة” (2).

        وليس من شك بأن هناك فرقاً كبيراً بين ما قاله الكاتب وبين ما قاله علماء الإسلام عن الموضوع، إذ أن ما قاله الكاتب إن قواعد الشريعة وأحكامها مستمدة من مبادئ عامة في حين أن علماء الإسلام يقولون إن تطبيق الشريعة بالصورة التي أنزلها الله ستؤدي إلى تحقق كل تلك المبادئ التي تشمل الخير والمنفعة والمصلحة للعباد في الدنيا والآخرة لأنها شريعة الله العليم الخبير الحكيم الرحيم، إذن فما مناسبة حديث علماء الإسلام عن مثل هذه المبادئ؟ مناسبة حديثهم أمران:

الأول   : توضيح الحكمة في أوامر الله ونواهيه في مواجهة التيار الظاهري الذي كان ينفي التعليل لأحكام الله.

الثاني   : الاستفادة من هذه المبادئ في إفتاء المسلمين في القضايا الجزئية التي تجدّ لهم، والتي ليس فيها حكم شرعي صريح في القرآن والسنة.

ينطلق الكاتب في الحلقة الأخيرة من النقطة التي انتهى إليها في الحلقة السابقة وهي: أن قواعد وأحكام الشريعة مستمدة من مبادئ عامة، ويبني على هذه النتيجة أن “التقليديين” أصبحوا في مأزق، فهم أمام بديلين:

الأول: قطع أي علاقة بين قواعد وأحكام الشريعة من جهة، وبين المبادئ العامة من جهة ثانية.

الثاني: التسليم بأن قواعد وأحكام الشريعة جميعها قابلة للاجتهاد.

        ويترتب على البديل الأول في نظر الكاتب أن قطع أية علاقة للقواعد والأحكام بالمبادئ العامة إما يجعلها عشوائية أو يجردها من قيمتها الوسيلية ويعطيها قيمة كامنة، وواضح هنا أن كلا الاحتمالين مرفوض.

        واضح أن الأصل الذي يبني عليه الكاتب عادل ضاهر كلامه السابق جميعه هو: اشتقاق أحكام وقواعد الشريعة من مبادئ عامة، وبالتالي إلغاء هذا الاشتقاق وهو ما يترتب عليه النتائج التي ذكرها، لكننا كما قلت لا نسلّم معه بأن قواعد وأحكام الشريعة مستمدة من مبادئ عامة، كما لم يقل أحد من علمائنا السابقين بهذا القول، إنما قالوا إنها وحي من الله العليم الخبير الحكيم الرحيم، واستقرأوا أحكام الشريعة وقواعدها فوجدوا أن تنفيذ أحكام الشريعة بالصورة التي أمرنا الله بها تؤدي إلى المنفعة، والخير، وتحقيق المصالح الكثيرة.

        ثم يعود إلى قريب من كلامه السابق الذي بنى عليه كل موقفه في الحلقة الأخيرة وهو استمداد الشريعة من مبادئ عامة ليرد على الذين يعلنون بأن أوامر الشريعة ملزمة على نحو مطلق، وأن العبد مأمور بالامتثال لقواعد الشريعة دون قيد أو شرط، وأن للشارع أسبابه التي نجهلها لأمرنا بالتقيد بهذه القواعد والأحكام، ثم يعقب على ذلك فيقول: “وهذا يعني أن الفقهاء القدامى الذين افترضوا أنها مشتقة من مبدأ لا ضرر ولا ضرار، أو المصالح المرسلة لم يكونوا في الوضع المعرفي المناسب لتسويفهم افتراضاً كهذا”.

        وقع الكاتب عادل ضاهر في المغالطة نفسها مرة أخرى وهي اعتباره أن الفقهاء القدماء اعتبروا الشريعة مشتقة من مبادئ، وقد تبيّن من النصوص التي أثبتها في موضع سابق من هذا المقال أن علماءنا القدامى لم يفترضوا هذا الافتراض، إنما قالوا إن تطبيقها وتنفيذها ستؤدي إلى تحقيق هذه المبادئ، والمصالح، والفوائد.

        ثم ينتقل الكاتب إلى مناقشة محمد عمارة الذي يعتبر موقفه ليبرالياً والذي ويعتبر متقدماً بالنسبة “للتقليديين” ويتخلص موقف محمد عمارة الجديد في أنه يرى أن القواعد والأحكام الشرعية ليست ملزمة بشكل مطلق وأنه علينا أن نجتهد لنعرف مدى توفر الشروط لإعمال الحكم المستنبط من النص، ويعتبر الكاتب عادل ضاهر أن موقف محمد عمارة يتعرض لنفس الصعوبات التي يتعرض لها “التقليديون” هو أن هذه القواعد نجد أساسها في مبادئ عامة في الوقت الذي يستبعد من تبنيها أي شروط ثقافية واجتماعية، لأن الانتقال من المبدأ العام إلى هذه القواعد عملية استدلالية تتوسطها شتى الوقائع المتعلقة بالشروط الاجتماعية والثقافية، وفي النهاية في رأي الكاتب عادل ضاهر أن الانتقال إلى وضع اجتماعي وثقافي جديد يؤدي إلى رفع الأحكام المستنبطة من هذه القواعد رفعاً دائماً، ويرى الكاتب عادل ضاهر أنه لا مفر لمحمد عمارة من النتيجة السابقة إلا إذا حصر علّة النصوص في النصوص نفسها فإنه تبرز عندئذ المشكلات التي ردّ عليها في مقالات سابقة.

        الحقيقة إن موقف محمد عمارة يحتاج إلى دراسة خاصة انطلاقاً مما كتبه في مجلة “منبر الحوار” وفي كتاب “معالم المنهج الإسلامي” حول حدود الاجتهاد في النص القطعي الدلالة لذلك فلا مجال للحديث عن موقفه الآن، ولكنني أرى أن الكاتب عادل ضاهر في ردّه على موقف عمارة مازال ينطلق من أمرين: الأول: الأحكام والقواعد مستمدة من مبادئ عامة. الثاني: الانتقال من المبدأ العام إلى القاعدة خاضع لأمور ثقافية واجتماعية. وقد سبق الحديث عن هذين الأمرين بما يغني عن الإعادة.

الهوامـش:


(1)  ابن القيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ط 1289هـ – 1969م، ج3، ص5.

(2)  الشاطبي، الموافقات، شرح عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، ج2، ص4.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى