القضية الفلسطينية

المطلوب من الحركات الفلسطينية: تحرير الأرض قبل الدولة

print

إنّ الدولة هدف مشروع لأيّة عملية تحريرية، وهذا ما قامت به كل الحركات التحريرية التي انتصرت في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بدءاً من الصين ومروراً بكينيا وغانا وغينيا والجزائر وانتهاء بفيتنام وكوبا، ومن المؤكّد أنّ الدولة كانت تتويجاً لعملية تحريرية حقيقية، أصبحت الحركة التحريرية فيها السيد والقَيِّم والفاعل على الأرض، وأصبح العدو منهزماً يلملم أوراقه ويرتّبها من أجل الرحيل عن البلد المحتل، ثم تقيم الحركة التحريرية بعد ذلك حكومة تعبّر عن قيام هذه الدولة، هذا ما عهدناه خلال القرنين الماضيين مع كل الحركات التحريرية، فكيف جرت الأمور عندنا في القضية الفلسطينية؟

        بدأت حركة التحرير الفلسطيني (فتح) ثورتها في عام 1965 من أجل تحرير الوطن الفلسطيني من قبضة المحتلّين الصهاينة دون ارتباط بأي مضمون ايديولوجي، مما جعلها في تصادم مع حركة القومية العربية التي كان يقودها جمال عبد الناصر، ثم وقعت حرب عام 1967 التي انتهت بنكسة شنيعة احتلّت فيها اسرائيل أراضي من ثلاث دول عربية: مصر والأردن وسورية، فاحتلّت سيناء وغزّة من مصر، وأخذت الضفة الغربية والقدس من الأردن، وأخذت هضبة الجولان من سورية، ثم اضطرت ظروف النكسة جمال عبد الناصر وحركة القومية العربية التي يقودها إلى التعاون مع حركة (فتح) من أجل استرداد الأراضي المحتلّة من خلال العمل الفدائي، وهنا بدأ التنازع بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية على قيادة الفلسطينيين وتمثيلهم، بعد أن كان يمثّلهم الطرفان، ثم اعترف مؤتمر القمّة العربي الذي انعقد عام 1974 بأنّ منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، واضطر الأردن بعد هذا القرار إلى التنازل عن تمثيل الفلسطينيين، لكنّ الضفة الغربية المحتلّة بقيت مرتبطة به أمام الدول العربية والهيئات الدولية نتيجة العلاقة التاريخية القديمة التي بدأت عام 1948 بانضمام الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية بتشكيل المملكة الأردنية الهاشمية عام 1949، ثم أعلن ياسر عرفات في الجزائر في تشرين الثاني عام 1988قيام دولة فلسطين، وطلب اعتراف دول العالم بها، وكان الذي سبّب ذلك تخلّي الأردن عن مسؤوليته عن الضفة الغربية في نهاية تموز (يوليو) 1988 بسبب الانتفاضة في غزة والضفة، والتي نقلت الكفاح المسلّح لأول مرّة من خارج الأرض المحتلّة إلى داخلها.

فهل يعتبر تخلّي الأدرن عن مسؤولية الضفة الغربية لمنظمة التحرير تحريراً يستدعي إقامة دولة من قِبل ياسر عرفات؟ الحقيقة إنّ ذلك لا يعتبر تحريراً بأي شكل من الأشكال، لأنّ منظمة التحرير لم تسيطر على أي شبر من الضفة الغربية وبقيت اسرائيل مسيطرة على كل شيء في الضفة الغربية، ولم يحدث سوى اضطرار الأردن للتنازل عن مسؤوليته الأدبية والتاريخية عن الضفة الغربية نتيجة ظروفه الداخلية، ثم تطوّرت الأمور فجرب مفاوضات سرية في صيف عام 1993 بين منظمة التحرير واسرائيل، وأدّت هذه المفاوضات إلى التوقيع على اتفاق بين اسرائيل ومنظمة التحريرعلى إقامة سلطة فلسطينية في غزة وجانب من الضفة الغربية، ثم دخل ياسر عرفات إلى غزة عام 1994، وأقام سلطة وطنية لكنها كانت خالية من أي مضمون حقيقي للسلطة ، إذ كان لا يملك شيئاً من مقوّمات السيادة لا على الأرض ولا على الحدود ولا على المياه ولا على الأجواء ولا على حق الخروج والدخول إلخ…

        ومن الجليّ أن منظمة التحرير ورئيسها ياسر عرفات وحركة (فتح) التي تعتبر التنظيم الفلسطيني الرئيسي لم يحصلوا على أية سلطة حقيقية بأي معنى من المعاني لا في حالة إعلان قيام الدولة عام 1988 ولا في حال دخول ياسر عرفات إلى غزة عام 1994، وأكبر دليل على ذلك أنّ شارون رئيس وزراء اسرائيل حاصر ياسر عرفات رئيس الدولة الفلسطينية حتى مات في مقر السلطة في رام الله عام 2004 .

        وكان الأولى ﺑ (حماس) أن تنتبه إلى هذه القضية، وتتفحّصها، وتعطيها الأولوية عند مشاركتها في الانتخابات عام 2006، وبخاصة أنّ لها مرجعية دينية على خلاف (فتح)، وتدرك أنه ليست هناك دولة حقيقية ولا سلطة حقيقية في الضفة وغزة وإنما هي تسميات دون حقائق، وأوهام دون مضامين، والسبب في كل ذلك أنه لم يتحقّق تحرير حقيقي، وكان عليها أن تستمر في الصراع مع العدو الصهيوني لتحقّق التحرير، لأنّ هذه المهمّة الصعبة التي لم ينجز منها شيء، ولم يتحرّر أي شبر من أرض فلسطين، وكان عليها أن ترتب بناءها الداخلي، وعلاقاتها الخارجية على هذه المعطيات، فإنّ تحقق تحرير حقيقي واضح على الأرض يجعلها قادرة على أن تقيم دولة حقيقية، لأنّ الحكومة الفلسطينية الموجودة -الآن- ليست قائمة على أرض محرّرة، بل على أرض كانت تابعة للأردن في السابق، وأصبحت تابعة لمنظمة التحرير على الورق، وهي في قبضة اسرائيل على الحقيقة.

        فالمطلوب –بشكل واضح من (حماس) وغيرها- التحرير الحقيقي، والسيطرة الحقيقية على الأرض، وليس التحرير على الورق، ويأتي بعد ذلك إقامة السلطة والدولة المرتبطة بالسيادة والتمكّن على الأرض والمياه والجو والمنافذ والحدود إلخ…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى