دراسات مختارةكلمة المشرف

أدونيس وديوانه الجديد (الكتاب: امس المكان الآن)عرض ونقد

print

لماذا الحديث عن الشاعر أدونيس؟ وهل هو ضروري الآن؟

في تقديري أن الحديث عن الشاعر أدونيس ضروري الآن لعدة أسباب منها :

1- أدونيس ليس شاعراً عادياً بل هو أحد مؤسسي مدرسة شعرية جديدة في العصر الحديث مثلتها “”مجلة شعر”” التي صدرت في الخمسينيات ، والتي أرادت أن تنسف قواعد التراث الشعري مضموناً وشكلاً وأن تؤسس قواعد جديدة وأن تروّج لها .

2- أدونيس ليس شاعراً فحسب بل صاحب دراسة موسّعة لتاريخ الأمة ، وقد انتهى في دراسته تلك إلى فرز عوامل الثبات والتحوّل والاتباع والإبداع في كل مجالات تاريخ أمتنا .

3- أدونيس ليس شاعراً يتعاطى الشعر فقط لكنه صاحب نظرة نقدية للشعر العربي : قديمه وحديثه ، تقوم على تفضيل بعض الأساليب الشعرية ورفض بعضها الآخر ، وتقوم على الترويج لأشكال جديدة من الأدب والتنظير لها مثل “قصيدة النثر” .

4- أصدر أدونيس مؤخراً ديواناً سمّاه (الكتاب : أمس المكان الآن) وأعلن أنه سيصدر الجزء الثاني منه وسيتوقف عن الكتابة بعد ذلك (1) ، يشكّل إذن هذا الديوان قمة تطوّره الشعري واعتزازه فلا بدّ من وقفة مع هذا الديوان .

       5- أدونيس أحد المرشحين لجائزة نوبل لعدة سنوات سابقة ، ولمّا يفز بها حتى الآن ، فيستحسن أن نفهم هذا المرشح لجائزة نوبل والذي قد يفوز بها في وقت لاحق ، ونضعه تحت المجهر لنحدد ما المقبول منه وما المرفوض قبل أن يمطرنا بوابل محاضراته وأقواله بعد نيله تلك الجائزة ، فلا نستطيع أن نقوم بعملية الفرز والغربلة حينئذ .

       هذه بعض الأسباب التي تجعل الحديث عن أدونيس ضرورياً جداً في هذا الوقت وفي هذه المرحلة .

       والآن سأتناول هذا الديوان الشعري الجديد الذي أسماه “”الكتاب : أمس المكان الآن”” ، وأرى من أجل استيضاح صورة الديوان الشعري أنه لا بد من الحديث عن نظرة أدونيس إلى الشاعر ونظرته إلى الكتابة عند العرب .

       نظرة أدونيس إلى الشاعر والكتابة :

       يرى أدونيس أن الشاعر يجب أن يكون صاحب رؤيا ويجب أن يكون مجدداً ، ويجب أن يصوغ العالم صياغة جديدة ، ولا يكون دوره فقط في محاكاة العالم . ويرى أدونيس أن “”الكتابة”” تالية لمرحلة “”الخطابة”” عند العرب ، ويعتبر أن الثورة الكتابية الأولى التي نشأت في وجه الخطابة ، نثراً وشعراً ، هي كتابة القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم نهاية الارتجال والبداهة ، ثم ينقل أدونيس أقوالاً للقلقشندي أدان فيه الكلام القديم : الخطابة والشعر، وأدان الأساس الذي يقوم عليه وهو الأمية – الفطرة ، الارتجال – البداهة ، وفضّل النثر (الجديد الناشئ) على الشعر (القديم السابق) (2) .

       ويعتبر أدونيس أن هذه النصوص القرآنية تؤسس عهداً جديداً من الكتابة يقوم على النقاط التالية :

       1- إذا كانت الكتابة جمعاً فإن الكلام غير المكتوب يظل مبعثراً لا ناظم له ، ولا ثقة فيه .

       2- الكتابة علم : لا علم بالمعلوم وحسب ، بل بالمجهول كذلك .

       3- الكتابة “”صناعة روحانية”” أي أنها تجسيد بالحروف للصور الباطنة .

       4- الكتابة “”إنشاء”” أي أنها اختراع على غير مثال .

       5- الكتابة عمل شاق لا يعرفه إلاّ من يمارسه .

       6- الكتابة لا متناهية شكلاً وموضوعاً ، لأنه تواجه عالماً لا متناهياً (3).

       والآن نعود إلى الحديث عن ديوانه الشعري “”الكتاب : أمس المكان الآن”” الذي يعرفه أدونيس فيقول عنه : “”مخطوطة تنسب إلى المتنبي ، يحققها وينشرها أدونيس”” ماذا نستفيد من هذا الكلام على ضوء ما تقدم من نظرة أدونيس إلى الشاعر والكتابة ؟

       أظن أنه لأمر طبيعي أن نفترض التزام أدونيس بما طلبه من الشاعر وهو أن يكون صاحب رؤيا ويكون متنبئاً ويكون صائغاً للعالم صياغة جديدة ، وأن يكون شعره تأسيساً وتجديداً ويكون ضمن صورة “”الكتابة”” وليس ضمن صورة “”الخطابة”” ، على ضوء هذا نستطيع أن نقول إن أدونيس””النبي”” اختفى وراء “”أبي الطيب المتنبي”” ليقول على لسانه نبوءته التي دوّنها في “”الكتاب”” والتي يقصد أن تكون رؤيا جديدة وصياغة جديدة للواقع ، والتي يجب أن تبتعد عن “”الخطابة اللسانية”” التي امتازت بها “”الشعرية العربية السابقة”” .

       فهل حقق “”الكتاب”” هذه الرؤيا ؟

       نعم حققها لكنها رؤيا هدم في الشكل والمضمون ، ولا نستطيع أن نفهم هذا الهدم في المضمون إلا بالعودة إلى “”الثابت والمتحول”” والتوقف عند بعض طروحاته لأنه الخلفية الفكرية التي اعتمدها أدونيس والتي نقل منها في كل ما دوّنه في الديوان الشعري الجديد “”الكتاب : أمس المكان الآن”” ، فماذا جاء في “”الثابت والمتحول”” ؟ وماذا قال أدونيس فيه؟

       الثابت والمتحول عند أدونيس :

       ما هو الثبات وما هو التحول ؟

       يعتبر أدونيس أن تاريخنا ينقسم إلى منحنيين : منحى ثبات واتباع ومنحى تحول وإبداع . وهو يعرض بحثه في كتابين يتحدث في الأول عن أصول الاتباع والإبداع ويتحدث في الثاني عن تأصيل أصول الاتباع والإبداع .

       يرى أدونيس أن هناك اتباعية في الخلافة والسياسة نشأت منذ الاجتماع في سقيفة بني ساعدة تقوم على قرشية الخلافة ، كما تقوم على اتباع سيرتي أبي بكر وعمر y بالاضافة إلى اتباع سنن الرسول e وهديه .

       وهو يرى أن هناك اتباعية في السنة والفقه ، كما أن هناك اتباعية في الشعر والنقد تتابع النبي e على موقفه من الشعر الذي حافظ فيه على النواة الأساسية لدور الشعر في القبيلة ولطبيعة العلاقة بين الشاعر والقبيلة ، غير أنه أعطى لهذه النواة مظهراً جديداً وبعداً جديداً ، ينقل دور الشعر من إطار الفضائل القبلية إلى إطار الفضائل الدينية ، وحوّل العلاقة بين الشاعر والقبيلة إلى علاقة بين الشاعر والدولة (4) .

       ما هو الإبداع والتحول في نظر أدونيس ؟

       يرى أدونيس أن جذور الإبداع في مجال السياسة والحكم يبدأ مع مثيري فتنة عثمان رضي الله عنه ، ويضم إليهم بعد ذلك الخوارج . ويرى أنهم وضعوا أصولاً تختلف عن الأصول التي قام عليها الحكم الأموي فوضعوا نظرية خلع الإمام الجائر ، واستعاضوا عن مبدأ القرشية في الإمامة بمبدأ الجدارة (5) .

       ثم يرصد أدونيس وقائع كل الثورات التي قامت مناهضة للخلافة الأموية ويعرض بعضاً من تفصيلات وقائعها كثورة التوابين عام 65هـ ، ثم ثورة المختار بن عبيد الثقفي ، وثورة مطرف بن المغيرة عام 77هـ ، ثم ثورة عبدالرحمن بن الأشقر عام 81 هـ ، ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين عام 122 هـ ، ثم ثورة أبي مسلم الخراساني عام 129 هـ .

       ثم يتحدث أدونيس عن الحركات الفكرية في العهد الأموي ، فيشير إلى أن الخوارج قرنوا النظر بالممارسة ، ووحّدوا بين الإيمان والعمل في حين أن حركة الإرجاء فرّقت بين الإيمان والعمل ، ويعرض إلى قول جعد بن درهم بخلق القرآن الذي يعني اعتماد العقل مصدراً أولاً للمعرفة ، ويعرض للفرقة التي قالت بالقدر أي أن الإنسان مختار حر وهو الذي يفعل أفعاله ، ويعرض لفرقة الشيعة التي قالت بالإمامة (6) .

       ويعرض أدونيس أصول الحركة الشعرية فيرصد التحول في تجربتين : الأولى التجربة الذاتية التي تغلّب عالم العواطف والرغبات والأهواء على العالم الخارجي ، والثانية هي التجربة السياسية الأيديولوجية التي توحد بين الشعر والفكر ، ويعرض لنماذج من شعراء التجربتين .

       ثم ينتقل في الكتاب الثاني إلى تأصيل الأصول فيرى أن الشافعي رحمه الله هو الذي أصّل الأصول الدينية – السياسية في مجال الاتباع ، ويرى أن الأصمعي والجاحظ أصّلا الأصول البيانية الشعرية في مجال الاتباع أيضاً ، ثم ينتقل إلى تأصيل الإبداع فيرى أن ثورة الزنج والحركة القرمطية أصلتا للإبداع وأنهما ألغيتا الملكية الخاصة .

       ويرى أدونيس أن ابن الراوندي وجابر بن حيّان ومحمد بن زكريا الرازي أصّلوا للإبداع في مجال اعتماد العقل وإبطال النبوة!!! فينقل أن ابن الراوندي انتقد المعجزة!!! وانتقد منهج النبي في الفكر والعمل!!! وانتقد إعجاز القرآن وكان يرى أن كلام أكثم بن صيفي أفصح من القرآن الكريم!!! (7) .

       ثم يتحدث أدونيس عن موقف الرازي من الدين وينقل نقده للنبوة وينتهي إلى نفي النبوة كمبدأ وظاهرة والاكتفاء بالعقل!!! كما ينقل نقده لسائر الأديان وإبطاله ، ثم ينقل آراءه في نقد الكتب المقدسة وإبطالها!!! وهو يعتبر أن القرآن متناقض وينكر أن يكون القرآن معجزة أو حجّة!!! وهو يرى أن الإعجاز والحجّة يتمثلان في الكتب العلمية!!! (8) .

       ثم ينقل أدونيس موقف المعتزلة الذي يقوم على تقديم العقل على الشرع ، وأدى تقديم العقل على النقل عند المعتزلة إلى التوكيد على إرادة الإنسان وحريّته ، وأدى إلى اعتقادهم أن اللغة اصطلاح ووضع وليست توقيفاً أو وحياً (9) .

       ويصنّف أدونيس التصوف في مجال الابداع!!! ويبين أن التجربة الصوفية تنطلق من القول أن الوجود باطن وظاهر ، وأن الوجود الحقيقي هو الباطن . وقد ترتبت على هذا المنطق نتائج كثيرة ، وبخاصة فيما يتعلق بالمعرفة ومنهجها ، والصلة بين الإنسان والله ، استلزمت فهم القرآن فهماً جديداً ، لم تعتمد في فهمها هذا المنطق أو العقل ، ولم تعتمد الشريعة ، إنما اعتمدت الذوق وليس في الذوق حدود ، وهو يتجاوز الامر والنهي لأنه هو البداية التي تمحو كل أمر ونهي!!! وحين يكون بين الحقيقة والشريعة تناقض ، فإن الشريعة هي التي يجب أن تؤول بمقتضى الحقيقة .

       وتنتهي التجربة الصوفية بالفناء بالله: لقد نقلت الصوفية تجربة الوجود والمعرفة من إطار العقل والنقل إلى إطار القلب ، فلم يعد الوجود مفهومات ومقولات مجردة ، وبطلت المعرفة أن تكون شرحاً لمعطى قبلي أو تسليماً بقول موحى (10) .

       ويمثّل أدونيس على الإبداع في الشعر بنموذجين هما : أبونواس وأبوتمّام ، ويبرز مجون أبي نواس ويبرز إصراره عل فعل الذنوب ، وانتهاك المحرّم الذي يعني خروجاً على الله ، ويبين تعلقه بالخمرة وتقديسه لها ، ويوضح كيفية ربط الخمرة بجميع الأشياء ، ويوضح أن شعر أبي نواس ينطلق من أولية التجربة ، في حين أن أبا تمام ينطلق من أولية اللغة الشعرية .

       تفنيد بعض وجهات نظر أدونيس في كتاب “”الثابت والمتحول”” :

       ليس من شك بأن تفنيد وجهات نظر أدونيس في كتاب “”الثابت والمتحول”” يحتاج إلى مجلدات ، ولا أستطيع فعل ذلك في هذه العجالة ولكنني أكتفي بتقويم بعض ما طرحه ليساعدنا على فهم مدى الأخطاء التي وقع فيها في ديوانه الشعري :

       1- يفسر أدونيس في عدة مواضع من كتابه تطورات المجتمع الإسلامي تفسيراً اقتصادياً طبقياً منطلقاً من ماركسية واضحة مع أنه أوضح في البداية أنه سيتجنب ذلك في بداية مقدمته للكتاب ، وتعلل بعدم تخصصه في مجال الدراسة الاقتصادية ولعدم امتلاكه أدواتها ، ولا يمكن أن نضع إشادته بالثورتين : الزنجية والقرمطية إلاّ الخضوع لذلك التفسير الماركسي للتاريخ الإسلامي ، ولا شكّ أن هذا جهل وافتئات على التاريخ الإسلامي وتطبيق لمقاييس لم يعرفها ولا تنطبق عليه ، فالتاريخ الإسلامي لم يعرف الطبقات بالمعنى الماركسي المعهود لأنه لم يعرف الرّبا من جهة ، ولإقراره نظام الزكاة التي تؤخذ من رأس المال والتي تُحدث توازناً في المجتمع من جهة ثانية ، ولوجود تشريعات الميراث التي تفتّت الثروات المتكدسة من جهة ثالثة ، وهذا ما قاله كثير من المفكرين الغربيين الدارسين للاقتصاد الإسلامي من أمثال مكسيم رودنسون في كتاب “”الإسلام والرأسمالية”” وجاك أوستروي في كتاب “”الإسلام والتنمية الاقتصادية”” (11) .

       2- يعلّل أدونيس نشوء الفرق من شيعة وخوارج ومعتزلة وغيرها بعوامل سياسية بشكل عام ويربطها بفتنة عثمان t بشكل خاص ، والحقيقة إنّ هذا بعيد عن الصواب ، والأرجح أن نشوء هذه الفرق مرتبط بعوامل بيئية ، وبموروثات وبأفكار جلبتها هذه الفرق من الأمم السابقة تأثرت بها وتداخلت مع منهجها عن الفهم الذي علّمه الرسول r لصحابته ، فالخوارج حكمت بيئتهم البدوية البسيطة فهمهم للإسلام فأخذوا بظاهر النصوص ولم يتدبروها وقد نبّهتنا أحاديث الرسول r إلى ذلك حينما وصفت الخوارج فقالت : “”بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم”” أو “”لا يجاوز حلوقهم”” (12) . والشيعة تأثروا بكثير من موروثات المنطقة التي كانت تعج بالغنوص وبتقديس الرجال وبالتصوف ، والمعتزلة تأثروا بمذهب الذّرة المترجم عن الفلسفة اليونانية .

       3- يرى أدونيس توحّد الثقافة والدولة في كيان واحد في فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي يقول أدونيس عن الخلافة الأموية : “”أن الدين صار دين النظام وتوّحد بالواقع السياسي لهذا النظام ، وأصبح النظام ينظر إلى الواقع من حيث إنه يجب أن يتكيف وينسجم مع سياسته ودينه ، وأصبحت الثقافة انطلاقاً من ذلك لا تتعارض مع الواقع بل تتحد به ، أصبحت الثقافة والدولة شيئاً واحداً”” (13) .

       وعندما يصدر أدونيس الحكم السابق على الدولة الإسلامية فإنما ينطلق من نظره إلى الدولة المعاصرة وسيطرتها على كل شئ ، ولكن الحقيقة أن مسار التاريخ الإسلامي يخالف نظرته تلك تمام المخالفة ، فقد كانت هناك قيادتان في تاريخنا : قيادة الأمراء وقيادة العلماء ، وقد كان الجانب الثقافي بقيادة العلماء بعيداً عن الأمراء وسيطرتهم وتدخلاتهم ، وقد حدث ذلك نتيجة إشادة الدين الإسلامي بالعلم والعلماء ، ونتيجة جدلية خاصة بالأمة الإسلامية ، ويؤكد ذلك سلسلة العلماء الطويلة التي تزخر بها أمتنا ومنهم : مالك بن أنس ، أبوحنيفة ، الشافعي ، أحمد بن حنبل ، الباقلاني ، ، ابن تيمية ، ابن حجر العسقلاني رحمهم الله أجمعين (14) إلخ…

       4- والسؤال الآن : ما هو وجه الإبداع في إلحاد ابن الراوندي والرازي ؟؟!! وبخاصة إذا عرفنا أن هذا أمر قديم كان موجوداً قبل نبوة محمد r ونزول القرآن الكريم ، ورافق نبوته r ونزول القرآن الكريم حيث كفر قسم كبير من العرب المدعويين وتشككوا في كل ما دعاهم إليه ، وسيكون هناك أيضاً أناس يكفرون بمحمد r بعد وفاته r ، وما علاقة الإلحاد بالمنهج التجريبي ؟ وهل كل إلحاد يفرز منهجاً تجريبياً ؟ ألم يكن المنهج التجريبي موجوداً في الحضارة الإسلامية وفي الكيان الإسلامي قبل أن يطرح ابن الراوندي والرازي وغيرهما أباطيلهم ؟

       5- ما وجه الإبداع في الإرث الصوفي الذي يمثله الحلاّج والسهروردي وغيرهما؟ لقد كان التصوف موجوداً عند كل الأمم الوثنية الضالة ، وكان سبباً في انحطاطها ولقد كان التصوف أحد العوامل التي ساهمت في تغييب العقل الإسلامي ، وفي توريث المجتمع الإسلامي رذائل خلقية ، وفي استلاب نفسية المسلم ، وجعله أنانياً يعيش بذاته ، وجعله يعيش أوهاماً قاتلة حول الاتحاد بذات الله أو الحلول به تعالى أو اكتشاف وحدة الوجود .

       6- ترسيخ الشعر الجاهلي :

       يرى أدونيس أن ترسيخ الشعر الجاهلي كان عملاً مقصوداً من السلطة الإسلامية بدءاً من الخلافة الأموية (15) وهو واهم في ذلك وتفسير استمراره بدعم المؤسسات الحكومية له تفسير قاصر ، فعلى العكس نجد أن الإسلام حارب كل أركان الجاهلية واستطاع تغييرها ، وكان من ضمن ذلك تغيير بعض مضامين الشعر الجاهلي ، وإن التفسير الأصوب لاستمرار الشعر الجاهلي يجب أن نتلمسه في عوامل ولادة الفنون ، والظروف التي تساعد على نشأتها ، وفي موقف الإسلام من الفنون بشكل عام .

       تنطلق الفنون من النفس المأزومة (16) ، وقد استطاع الإسلام أن يحل أزمة هذا الإنسان ، فأدى هذا إلى أن الأشكال القديمة لم تعد ملائمة للتعبير عن لا أزمة الإنسان المسلم ولكن الشعر الجاهلي استمر في صورته القديمة لفنيته العالية التي فرضت نفسها على العصور التالية ، وقد كانت القصة مرشحة بالفعل لأن تكون أبرز شكل فني يناسب التعبير عن الإنسان المسلم غير المأزوم ، وممّا يؤكد ذلك استخدام القرآن الكريم لها في كثير من سوره ، لكن القصة كانت آنذاك غير ناضجة الأبعاد الفنية في العصور السابقة ، ولم تكن متداولة كشكل فني مستقل مما حال بينها وبين القيام بهذا الدور ، ومع ذلك فقد أبرز الكيان الإسلامي بعض الأشكال الفنية للتعبير عن الإنسان المسلم غير المأزوم وأبرزها الخط الذي يجمع بين الجوانب الجمالية والعملية (17).

       وبالمناسبة فإن أدونيس خلط بين ترسيخ الشعر الجاهلي وبين ترسيخ اللغة العربية والحرص عليها ، فإن الذي أكده القرآن الكريم والسنة النبوية والفقهاء والأصوليون هو ترسيخ اللغة العربية وليس الشعر الجاهلي نتيجة ارتباط النص القرآني وفهمه باللغة العربية.

       والآن بعد أن عرفنا “”الثابت والمتحول”” : ونقدنا جانباً من مضمونه ، ننتقل للتعرف على ديوان أدونيس الجديد “”الكتاب : أمس المكان الآن”” فما هي صورته ؟

       صورة الديوان “”الكتاب : أمس المكان الآن”” :

       يتألف الديوان من سبعة مقاطع ، وهناك ثلاث ملاحق :

       الأول : تحت عنوان “”أوراق عثر عليها في أوقات متباعدة ، ألحقت بالمخطوطة”” .

       والثاني : تحت عنوان “”الفوات فيما سبق من الصفحات”” .

       والثالث : تحت عنوان “”توقيعات”” .

       والمقاطع السبعة تشكل الجسم الرئيسي للديوان ، وجاء كل مقطع من المقاطع السبعة مسلسلاً تسلسلاً أبجدياً ، وكل صفحة مقسمة إلى أربعة أقسام : هامشان على اليمين واليسار ، ووسط الصفحة مقسم إلى قسمين : الأعلى يشمل معظم الصفحة ، والأدنى يشمل مساحة أصغر من الصفحة ، ثم أتبع كل مقطع بهوامش ، واتبع بعضها بمقطع سماه فاصلة استباق .

       ما مضمون الديوان ؟

       جاء الهامش الذي عن اليمين على لسان راو ينقل التاريخ الإسلامي بدءاً من اجتماع سقيفة بني ساعدة وينتهي في 160 للهجرة ، أما الهامش الأيسر ففيه إشارات وتوضيحات عن أزمان الروايات وأشخاصها ومصادرها بعض الأحيان ، أما وسط الصفحة فقد جاء الحديث فيها عن المتنبي ونشأته وأبويه ، وشيوخه ومعلميه ، وسفره ، وذهابه إلى بادية السماوة ، وارتباطه بالقرامطة ، وسجنه في حمص ، وزيارته لأنطاكية ، ولساحل بلاد الشام إلخ… وغير ذلك من وقائع حياته ، أما الهوامش التي تلي المقاطع فقد تناول في كل هامش شخصية تاريخية وكتب عنها عدة أبيات .

       وقبل أن أتجه إلى نقد الديوان سأتناول المقطع الأول وأستعرض مضمونه لكي أعطي القارئ فكرة عن مضمون الديوان ، وفي استعراض المقطع الأول سأبدأ بالهامشين ثم سأنتقل إلى وسط الصفحة ، ثم سأنتقل إلى الهوامش التي جاءت بعد المقطع الأول .

       عرض المقطع الأول من الديوان “”الكتاب : أمس المكان الآن”” :

       كرّس الشاعر أدونيس الهامشين للحديث عن التاريخ الإسلامي فتحدث عن سنة إحدى عشرة للهجرة وسمّاها السنة التأسيسية وهي السنة التي وقعت فيها حادثة سقيفة بني ساعدة ، والتي طلب الأنصار فيها تقاسم السلطة مع المهاجرين عندما قالوا : منا أمير ومنكم أمير ، ثم ينسب إلى عمر بن الخطاب t قوله “”قتل الله سعداً وسيقتل من لا يبايع من بايعته قريش”” .

       ثم يزعم أدونيس أن حواراً جرى بين عمر وعلي y يأمر الأول الثاني أن يبايع أبابكر ويرفض الثاني ، ويزعم أدونيس أن علياً رضي الله عنه قال : “”وكيف أبايع من قال الله وقال رسول الله بأني أولى منه ؟”” .

       ثم يصور حرب المرتدين وينقل جانباً من كيفية قتل المسلمين للفجاءة بن عبداليل وطليحة بن خويلد الأسدي ومالك بن نويرة ويبرز زواج خالد بن الوليد t من زوجة الأخير بعد قتله ، ثم ينقل حواراً بين مسيلمة وسجاح بنت المنذر ، ويصور زواجهما ، ويوضّح أن الصداق الذي أعطاه لها هو رفع صلاتي الفجر والعشاء عن أتباعهما المرتدين .

       ثم ينقل حواراً بين مُجّاعة بن مُرارة وخالد بن الوليد يزعم فيه أن الأخير طلب الزواج من ابنة المرتد ، ويزعم أن قريشاً طامعة في المال فيصور كيف أنها فرضت الذهب والفضة والكراع ، ثم ينقل قولاً لعفيف الكندي أحد المرتدين يصور فيه أن المشكلة هي قريش وليس الدين الإسلامي فيقول : “”تلك قريش : لا مخرج إلاّ الطاعة أو نفنى”” ، ثم ينقل أن أبا بكر t مات مسموماً ، ثم بين استلام عمر t الخلافة ويبرز بعض أعماله وأبرزها : معاقبة الشعراء على هجائهم واجلاؤه اليهود عن نجران وخيبر عام 20هـ ومقتله t عام 23هـ .

       ثم يبيّن وصية عمر بن الخطاب t في ترشيحه ستة اسماء من الصحابة ، ثم يوضح كيفية فوز عثمان t بها واستئثاره وأقاربه بأموال المسلمين ، ثم يصور المراحل التي مرت بها الفتنة حتى انتهت إلى مقتل عثمان t ، ثم يبين انتقال الخلافة إلى علي t ، ثم يزعم أن لعائشة رضي الله عنها دوراً في قتل عثمان t وفي محاربة علي t ، ثم يصور واقعة الجمل ، ثم ينقل حرب صفين ، ثم يصور كيفية قتل محمد بن أبي بكر t ، وأنهم أخذوا رأسه لمعاوية بن أبي سفيان t بعد أن دكوه في جوف حمار ، وعرّوه وأخذوا قميصه إلى نائلة زوجة عثمان y التي رقصت ابتهاجاً بمقتله ، ويختم المقطع الأول باجتماع الخوارج الثلاثة عبدالرحمن بن ملجم المرادي والبرك التميمي وعمرو التميمي للتآمر على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص y .

       أما وسط الصفحة فإن أدونيس يتحدث فيها عن ولادة أبي الطيب المتنبي ، وعن أبويه : أمه الهمذانية ووالده الجُعفي ، ويتحدث عن أمل أبويه به ، ويصور فقر أسرة أبي الطيب المتنبي ، ثم يصور الكتّاب الذي دخله المتنبي وعبثه فيه ، ثم يتحدث عن السواد الذي كانت فيه الكوفة مسقط رأس المتنبي ونشأته ، ثم يتحدث عن الأجناس التي عاشت في الكوفة وعاصرها الشاعر وتآلف معها ، ثم يصور بيت أبي الطيب المتنبي ، ثم يتحدث عن القرامطة الذين كانوا موجودين في الكوفة وفي السواد ، ثم يصور الكوفة والتيارات التي كانت تصطرع فيها، ويبيّن نبوغ المتنبي فيها ، ثم يصور تفاعل المتنبي مع الكوفة وثقافتها وقرامطتها ، ويبرز الفقر في الكوفة خاصة والسواد عامة ، كما يبرز دوره في تشكيل كيان الناس وكآبتهم ، ثم يبين جانب القوة المسيطر في المجتمع ، ثم ينتهي المقطع بذكر انتماء المتنبي إلى الشر والحصاد والرياح .

       أما الهوامش التي تلي المقطع الأول فقد بدأها أدونيس بالأبيات التالية :

       أتفيأ – أخرج من هذه الذاكرة

       من مداراتها ، ودواليبها الدائرة

       أتفيأ أسلافي الآخريْن

       الذين يضيئون أعلى وأبعدَ

       من ظلمة القتل ، من حمأةِ

       القاتلين .

       يقول الشاعر في المقطع السابق إن له صنفين من الأسلاف : صنفاً عاش في ظلمة القتل والقاتلين ، وصنفاً كان مضيئاً ، ويشير الشاعر إلى أنه سيخرج في هذه الهوامش من أسلاف الصنف الأول إلى أسلاف الصنف الثاني ، وهو قد استعرض جانباً من أسلاف الصنف الأول وقد كانوا كما رأينا أبابكر وعمر وعثمان وعلي y إلخ… أما أسلاف الصنف الثاني في الهوامش التي تلي المقطع الأول فقد كانوا : ابليس ، تميم بن مُقبل (18) ، لبيد ، الشنفري ، عروة بن الورد ، طرفة ، امرؤ القيس ، أبومحجن الثقفي . ملاحظات حول ديوان “”الكتاب : أمس المكان الآن”” :

       1- عرض أدونيس التاريخ الإسلامي في الهامشين من الديوان بدءاً من واقعة سقيفة بني ساعدة التي حدثت في السنة الحادية عشرة من الهجرة ، وانتهى بواقعة خروج يوسف البرم على الخليفة المهدي في خراسان سنة 160 من الهجرة ، وقد التقى أدونيس في عرضه للتاريخ في الديوان بشكل كامل مع عرضه له في “”الثابت والمتحول”” فهو في المكانين عرضه بصورة مغرضة ، قصد منها التشكيك والإثارة ، فقد صوره على أنه تاريخ صراع على السلطة ، وأنه تاريخ بطش وإرهاب ، وأنه تاريخ وحشي لا رحمة فيه ، وأنه تاريخ صراع طبقي يتصارع فيه الفقراء مع الأغنياء بالمفهوم الماركسي ، وأنه تاريخ قتل وموت ، وأنه تاريخ حرب وطعن وحرق إلخ…

       ليس من شك بأن تصوير أدونيس لتاريخنا بعيد عن الموضوعية بالإضافة إلى مجانبته الصواب وهو تصوير سطحي لا يخرج إلاّ من حاقد على هذه الأمة (19) . وقد بيّنت بعض أوجه الخطأ والابتعاد عن الحقيقة في هذا التصوير عندما تعرضت لكتاب “”الثابت والمتحول”” ولا حاجة للإعادة .

       2- صوّر أدونيس المتنبي بالصورة التي يراها هو وليس بالصورة التي كانت عليها حقيقته ، وأخذ بالروايات التي توافق هواه ، فصوره على أنه قرمطي علماني عقلاني متشكك ، كما صور الكوفة وكأنها مدينة مطحونة متمردة لا تعرف إلا الشك والتآمر .

       3- لم يترك أدونيس في الهوامش التي أتبعها مقاطع الديوان ، أو في الملاحق الثلاثة التي ألحقها بالديوان ، لم يترك أدونيس فاجراً أو زنديقاً أو داعراً أو متهتكاً أو سكيراً أو ساقطاً أو حاقداً إلاّ أورد عنه عدة أبيات في ديوانه ، فلماذا ؟

       يقول أدونيس : إنهم مبدعون ، ويقول : إنهم أسلافه (20) ، ويقول : إنه منحاز للهامشيين والرافضين (21)، فأن يعتبر أدونيس تلك الطائفة أسلافه وأن ينحاز إليهم فذلك شأنه ، لكن أن يعتبرهم مبدعين فهذا ما لا نحتمل السكوت عليه ، والحقيقة إنه ليس الإبداع الذي جمعه بهم ، ولكن دورهم التخريبي المشترك في زعزعة كيان هذه الأمة ، وهدم قيمها ، والتشكيك في موروثاتها من أجل أن يكون الطوفان الذي يحلم أدونيس وأمثاله في تحقيقه .

       4- أخذ أدونيس على بعض الشعراء السابقين نظمهم لأفكار محددة ، واعتبر أشعارهم خروجاً عن حقيقة الشعر واعتبرها نظماً لتلك الأفكار ، ومثّل على ذلك بقول المتنبي :

       الرأي قبل شجاعة الشجعان = هي أول وهو المحل الثاني

       وبقول زهير بن أبي سلمى :

       رأيت المنايا خبط عشواء من تصب = تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم(22)

       ، لكنه مع الأسف وقع فيما أخذ على غيره وليس في قصيدة واحدة إنما في كثير من المواضع في ديوانه ، مما جعل هذا الديوان كتاب تاريخ وليس ديوان شعر بالمعنى الحقيقي .

       5- استهدف أدونيس في مسيرته الأدبية التحديد حسب زعمه ، وقد كان من ضمن أهدافه التجديدية :

       تدمير اللغة العربية (23) ، التنظير لقصيدة النثر وترويجها ، ابتكار أشكال شعرية جديدة ، إيجاد لغة شعرية جديدة إلخ … ويمكن أن نضع ديوانه الجديد “”الكتاب : أمس المكان الآن”” ضمن هذا الاستهداف للتجديد في الشكل والمضمون : أما التجديد في الشكل فذلك واضح من تقسيمه لصفحة الديوان ، أما التجديد في المضمون فذلك واضح من الرؤية الهادمة التي عرض فيها التاريخ الإسلامي وحياة المتنبي هذا إذا جاز لنا أن نعتبر الهدم تجديداً ، والسؤال الآن : لماذا استعرض التاريخ الإسلامي في الهوامش مع أن مادة الديوان الرئيسية حياة المتنبي ؟

       المقصود من ذلك هو محاصرة القارئ وزيادة إشباعه النفسي والعقلي بمعاداة تاريخه وازدرائه والتخلص من قيمه ، وإشعاره أن وقائع حياة المتنبي مستمدة من ذلك التاريخ ، وأن ذلك التاريخ الأسود لن يفرز إلاّ حياة بائسة مضطربة كحياة المتنبي وأنهما متكاملان: التاريخ والحياة .

       والحقيقة أن أدونيس في كل ما استهدف متأثر بالتجارب الغربية وبالشعر الغربي واللغة الغربية ويمكن أن ندلّل على ذلك بتنظيره لقصيدة النثر في الخمسينيات والذي نقله عن كتاب “”قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا هذه”” للكاتبة “”سوزان برنار”” ، ولكننا نطمئنه أنّ مصير دعاويه سيكون مصير التجارب الشعرية التي انطلقت في القرن العشرين ناقلة التجارب الغربية نقلاً كاملاً ومتأثرة بها تأثراً حرفياً كتجربة “”شعراء الديوان”” وتجربة “”جماعة أبولّو”” والتي انحسرت لتترك نهر الشعر العربي سائراً في مجراه الذي حفره منذ قرون.

       ليس معنى هذا أننا ضد أي محاولة للتأثر والتأثير ، الأخذ والعطاء ، بل نحن معه ، مع النمو الطبيعي شريطة أن ينبني على تراثنا الأدبي وينطلق منه ، كما فعل أبوتمام الذي جاء مذهبه المتمثّل في “”التصنيع”” (24) مبنياً على مذهب “”الصنعة”” الذي ورثناه من الشعر الجاهلي فكان فعله بناء ، في حين أن ما يفعله أدونيس هدم لأنه ينقل تجارب من أمم أخرى يريد أن يفرضها على الأمة بعد أن يهدم كل ما بنته أمتنا .

       6- لقد جاءت جملته الشعرية واضحة نوعاً ما على غير عادته إذ يكتنف الغموض معظم أشعاره السابقة ، وربما جاء وضوحها من الموضوعين اللذين دار حولهما الديوان وهما : التاريخ الإسلامي والمتنبي ، كما جاءت الجملة الشعرية مركزة وقد وضع في تركيزها كل مهارته وخبرته ، وزاد من جمالها الموسيقى التي جاءت من التفعيلة التي أخذ بها في معظم الديوان ما عدا بعض المقاطع وبالذات في فواصل الاستباق فقد لجأ فيها إلى النثر .

       7- لقد حفل الديوان بتجاوزات في حق الذات الإلهية ، والشرائع الدينية ، وسأورد بعضاً منها على سبيل المثال لا الاستقصاء والحصر :

       1- قال أدونيس عن جبريل عليه السلام : (25)

       جاء جبريل في غيمة

       وسقى كوفة الظامئين بأسراره

       جاء في كوكب

       ورمى وجهه في تقاطيعها

       جاءها في كتاب

       آدم من تراب ، ونوح نَواحٌ

       والبقية تفاحة .

       2- قال أدونيس عن الله جل وعلا في مقطع آخر : (26)

       قتلى ودعاة

       ودعاة وقتلى

       والناجون دماء مهدورة

       أُصغي لأراغن هذا النوح

       الطالع من أنقاض الوقت

       النازف من أعناق مكسورة

       ما أخفى فيها صوت الله

       كأن الله الصمت

       3- قال أدونيس محاكياً القرآن الكريم : (27)

       قال صوت لصوتي

       والضحى ، يسطرون

       كل مالا يرون ولا يعلمون

       4- قال أدونيس ممجداً كرسي الحكم : (28)

       سبحانك ، يا هذا الكرسي

       مصنوعاً برؤوس قطعت

       مصبوغاً

       بدم طفل حيناً ، شيخ حيناً

       منْسولاً ، جزءاً جزءاً

       من أحلام نبي ،

       سبحانك يا هذا الكرسي

       الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها هي أن أدونيس اجتهد أن يكون هذا الديوان “”الكتاب : أمس المكان الآن”” خاتمة أعماله ، لكنها كانت خاتمة سوء فهي قد جاءت هدماً في الشكل والمضمون ، وقد كان هناك تطابق واضح بين مضمون الديوان ومضمون كتابه السابق “”الثابت والمتحول”” والذي مجّد فيه حركات التمرد والزندقة والقرمطة في تاريخنا ، والذي أعلى فيه من شأن الملحدين والساقطين والمنحرفين ، وهو قد فعل كل ذلك انطلاقاً من تقديسه الكامل لقيم الحضارة الغربية ، واستخدامه المطلق لأسسها التي قامت عليها ، مما جعل أحكامه جائرة على تاريخنا ، تنافي الصواب في عمومها وتبتعد عن الحق في استكشافها لقوانين الإبداع وأصوله في أمتنا ، وانعكست صورة الأحكام على ديوانه فجاء مملوءاً بالقتل والإجرام والفتك والسفول ، وهذا ما قصده أدونيس ليجعل القارئ المسلم مشبعاً بالحقد على تاريخه وباليأس من قيمه . 

(1)انظر المقابلة التي أجرتها معه مجلة “”الوسط”” عدد 255 الصادر بتاريخ 16/12/1996م

(2) أدونيس ، صدمة الحداثة ، ص28

(3) المرجع السابق ، ص 29-32

(4) أدونيس ، الثابت والمتحول ، جـ 1 ص148

(5) المرجع السابق ، جـ1 ص185

(6) المرجع السابق ، جـ1 ص193-197

(7) أدونيس ، الثابت والمتحول ، جـ2 ص74-76

(8) المرجع السابق ، جـ2 ص80-85

(9) المرجع السابق ، جـ2 ، ص87

المرجع السابق ، جـ2 ، ص87 . (10)

المرجع السابق ، جـ2 ص99 . (11)

<“

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق